في الحوار الوطني السوري

جان كورد، ‏18‏ أيار‏، 2011

قرأت في موقع آفيستا كورد الذي يشرف عليه الناشط الإعلامي والكاتب دلبخوين دارا خبراً مفاده أن السيد بافى وه لات، رئيس حزب الاتحاد الديموقراطي (الفرع السوري من حزب العمال الكوردستاني) قد جالس الرئيس السوري بشار الأسد مرتين في الأيام الفائتة، والخبر منشور هنا

وتعليقاً على ذلك أقول بأن ملاحظة السيد دلبخوين حول الخبر في صفحته الفيسبوكية ليست في مكانها، حيث يرى بأن هذه اللقاءات جيدة، إن كانت في خدمة أهداف الشعب الكوردي، بمعنى أن على الكورد سلوك مسلك انتهازي لتحقيق حقوقهم، ولايهم ما يجري حولهم في البلاد من مذابح وما يكتشف من مقابر جماعية وما يطلبه سائر الشعب السوري وما يدعو إليه المجتمع الدولي من فرض عقوبات وتقديم رموز النظام للمحكمة الجنائية الدولية

أنا كمواطن كوردي سوري لا أعتبر هذا “حواراً”، وانما خداعاً من النظام لدق اسفين بين الكورد وسواهم من مكونات الشعب السوري المنتفضة ضده، وأرفض هكذا سلوك، من أي طرف كان، ومن قبل انتقدت “الإخوان المسلمين” لايقافهم معارضتهم للنظام بسبب بعض مواقفه تجاه الشعب الفلسطيني أثناء الهجوم الاسرائيلي على غزة، فالحوار مع النظام أو رفضه أمر سوري داخلي بحت، لاعلاقة له بخارج سوريا، ولايمكن التضحية بالشعب السوري وحريته من أجل حرية أي شعب آخر، بل يمكن النضال على الجبهتين دون أن تكون إحداهما معوقة أو معرقلة للأخرى، ولقد ثبت أن “الإخوان المسلمين” كانوا خاطئين في تقديراتهم، بدليل أن المواقف الحقيقية للنظام تجاه فلسطين واسرائيل ظهرت الآن للعيان على لسان السيد رامي مخلوف أحد أقوى رموز النظام، وأن “الإخوان” عادوا من تلك المحاولة بخفي حنين، وهاهم الآن يرفضون الحوار مع نظام الأسد في هكذا ظروف سيئة

الحوار (ديالوغ) هو حديث يجري بين شخصين أو عدة أشخاص، أو بين أطراف محددة، شفهياً أو خطياً أو عبر التواصل الالكتروني الحديث، وإنه جزء من الاستعمال اللغوي، ويختلف عن (المونولوغ) الذي يدعى ب(السوليلوكووم) في اللاتينية، والذي هو حوار شخصي مع الذات، بصوت مسموع أو غير مسموع أو كتابة، ونجده منتشراً في الدراما، كما الحوار في المسرحية

يعتمد الحوار على (الطرح) و(عكس الطرح)، واتخذ في الأدب العالمي والفلسفة ذروته مع بروز “الحوارات السقراطية” لبلاتون الإغريقي. ولقد تطرق باحثون كبار إلى موضوع الحوار (الديني والسياسي والفلسفي والعلمي) ومنهم الفيزيائي الأمريكي الشهير، المفكر ديفيد جوزيف بووم (1917-1992)، الذي يرى بأن (الحوار) مطبوع بتعميق وتنشيط المحادثات وما يرافقها من مشاعر، تقييمات، وتوقعات، مما يؤثر بشكل قوي في تفكير وتصرف الفرد المشارك أو الجماعة المشاركة في الحوار، ويرى بأن الحوار يزيد المرء خبرة حياتية ومن خلاله يتفهم الطرف الآخر المحاور جيداً ويضع نفسه في مكانه، إلى أن يتوصل الطرفان إلى وضوح في إبراز النقاط الخاصة المقابلة لنقاط الطرف الآخر، ومن ثم بروز احتمال التوصل إلى نتائج ملموسة وإيجابية. كما يرى هذا المفكر بأن الحوار ليس مجرد أداة للتواصل بين الأفراد والجماعات، وانما هو طريق لاعادة قولبة المواقف والآراء والتصرفات الفردية والجماعية

ويجد المفكر الأمريكي وليام اسحاق أن للحوار عناصر أساسية تمنحه الطاقة والفعالية، وهي

– الإصغاء      – الاحترام     – الاعفاء      – الصياغة

فعلى المحاور أن يصغي للطرف الآخر فحسن الاصغاء يمنحه المجال لمزيد من الفهم واكتشاف نقاط ضعف الطرف الآخر والنقاط التي من المحتمل الاتفاق عليها أيضا. وبدون احترام الطرف الآخر لايمكن الاستمرار في حوار، وعلى المحاور أن يترفع عن جعل العواطف والمشاعر السلبية موضوعه الأساسي، وعليه إعفاء المحاور الآخر أثناء ابدائه للعواطف والمشاعر القوية بهدف التركيز على الأصل في المشكلة بينهما، ثم عليه أيضا إجادة صياغة مواقفه وعباراته ومطالبه لتكون واضحة ومفهومة أثناء الحوار

وهناك عناصر أخرى هامة، يتطرق إليها بعض المفكرين، ومنها (الوعاء) المكاني والزماني ، وما يرافق الحوار من أجواء مرافقة، والظلال التي تقع عليه مما حوله من أحداث تؤثر فيه سلباً أو إيجاباً، كما أن هناك أمور هامة متعلقة بالحوار مثل الثقة المتبادلة، فقدانها أو تواجد شيء منها لدى المحاورين

وعليه، فإن أي مبادرة للحوار بين فرد من الشارع السوري وآخر من النظام، أو بين كتلة اجتماعية، أو ثقافية أو سياسية، وبين النظام الذي لايزال قائماً أن لايجيد الحوار فحسب، وانما يتلمس الإطار الزماني والمكاني لهذا الحوار والأجواء المرافقة، ولايهمل الظلال التي ألقتها الأحداث الجسام على الساحة السورية، وأجبرت النظام على تغيير مساره، تكتيكياً، كما يتراجع العدو في المعركة لأسباب إضطرارية بهدف القيام بهجوم معاكس في وقت آخر أشد ملاءمة

الحوار أو مجرد المبادرة في الدعوة للحوار الوطني السوري، كما قامت به الأحزاب الكوردية السورية، يجب أن يراعي عدة أمور هامة، قبل الشروع فيه، والأسئلة هنا عديدة، منها

– هل النظام قادر على الاصغاء الجيد لما يجري في الشارع السوري؟ وهل هو جاد أصلاً للشروع في حوار وطني؟ أليس هذا مناورة منه للالتفاف على الثورة واجهاضها؟

– هل رموز النظام تحترم رموز المعارضة السورية؟

– هل للنظام نقاط أو مواقف واضحة ومحددة يمكن التحاور حولها؟ وما هي نقاطه وأهدافه؟ بمعنى ماذا يريد النظام من هذا الحوار حقيقة؟

– هل الوعاء الزماني والمكاني (حمامات الدم، مختلف صنوف التعذيب والارهاب السياسي، وجود ما يقارب الألف ضحية من الشعب السوري وآلاف الجرحى والمشوهين، وأكثر من عشرة آلاف معتقل منذ آذار هذا العام، واكتشاف مقابر جماعية)  يساعد على الشروع في حوار مع الذين ارتكبوا كل هذه الجرائم؟

– كيف ينظر الشعب السوري، والمجتمع الدولي، ومنظمات حقوق الإنسان، والمحكمة الجنائية الدولية، وخبراء القانون الدولي لما يحدث في سوريا؟

– وهل ستعود سوريا بهذا الحوار إلى وضعها السابق، من مختلف النواحي الاجتماعية والسياسية؟ أم أن الهدف من الحوار انبثاق سوريا جديدة، حرة ديموقراطية أساس حكمها العدل وصون حقوق الإنسان؟

على ضوء هذه المعطيات والأسئلة والخبرة الإنسانية الطويلة الأمد في موضوع (الحوار) أرى بأن أي خطوة كوردية، على مستوى أفراد، أو حزب من الأحزاب، أو حتى على مستوى مجموع الأحزاب الكوردية، تصرفاً انتهازياً غير مسؤول ولايضع مصالح الشعب السوري وضرورات التغيير الجذري الشامل للنظام السياسي نصب العين، وستكون العواقب وخيمة للكورد مستقبلاً

إن مصلحة وحقوق وطموحات الشعب العادلة هي بالتأكيد فوق كل شيء، ليس بالنسبة للحراك السياسي الكوردي، وانما لكل الشعب الكوردي، أينما كان، ولكن هذا لايمكن تحقيقه عن طريق نظام آيل للزوال، ومارس القمع والانكار والاقصاء لهذا الشعب طوال فترة حكمه الطويلة الأمد، وسيضر بالعلاقات بين مكونات الشعب السوري، التي تعلن للعالم اليوم بأنها متحدة ومتماسكة ومطلبها الأساسي هو ازالة نظام العائلة الأسدية التي فقدت شرعيتها كسلطة حاكمة

لقد قدم الشعب السوري، ومن ضمنه الشعب الكوردي، تضحيات جسيمة من أجل الحرية، فماذا قدم النظام من تضحيات في هذا المجال؟ وإلى أي درجة هو مستعد لتقديم بضع الضحايا من المناصب والمراكز والأموال والشخوص المجرمة، حتى نقول بأن الحوار قد آن أوانه… فالحوار يكون بين متكافئين في القوى والبذل والجهد ولايمكن القيام به دون أساس من الثقة المتبادلة

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s