الاستراتيجية الكوردية بين الحوار والمعارضة

جان كورد، ‏09‏ حزيران‏، 2011

مما لاريب فيه أن النظام الأسدي والمعارضة الديموقراطية -الوطنية السورية شرعا يدركان الآن بأن القضية الأهم والأساس في الحراك الكوردي السوري هو انتزاع الاعتراف بالوجود القومي الكوردي دستورياً وعملياً في البلاد، بغض النظر عمن يحكم في دمشق ويعارض الحاكمين فيها. هذه هي النقطة الأساسية في الاستراتيجية القومية الكوردية وفي كل فعلٍ كوردي معارض وكذلك في كل حوار، على مختلف المستويات السياسية والقانونية والثقافية، ومع أيٍ كان من مكونات وشخوص المجتمع السوري. إذ سئم الكورد إهمال مكونهم الكبير وتقليص وجودهم على شكل “مواطن!” من الدرجة الثانية، بعد عقودٍ طويلة من النضال المصحوب بالكثير من الآلام والآمال، والتضحيات الجسام، والحرمان والاضطهاد والتمييز… وأعتقد بأن هذا الهم القومي هو قاسم مشترك أعظم بين سائر القوى والتنظيمات والتكتلات السياسية والثقافية الكوردية، داخل البلاد وخارجها

ومنذ انطلاقة شرارة الثورة السورية الكبرى في 15 آذار 2011، التي لها جذور تاريخية عميقة في التاريخ السوري الحديث تعود إلى انتفاضات مدن سورية ، تخضبت بالدماء في أواخر سبعينات وأوائل ثمانينات القرن الماضي، وإلى انتفاضة عارمة للشعب الكوردي في آذار عام 2004، سفكت فيها دماء العديد من شباب الكورد، طرأ تعديل واضح على الاستراتيجية الكوردية، بالنسبة للعديد من التكتلات الكوردية السياسية، وبخاصة بين المجموعات الشبابية، التي تؤمن بأن لاحياة لأي نشاط كوردي قومي إلا في الوعاء الوطني السوري المعارض بصورة عملية وليس على مستوى الشرائح السياسية الفوقية فقط. إذ شرع الكورد ينشدون “حماة الديار” عوضاً عن النشيد القومي “أي رقيب”، ويصرخون “واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد” بدلاً عن ” كوردستان يان نمان: كوردستان أو الموت” ويرفعون عالياً علم سوريا الوطني عوضاً عن العلم القومي الكوردي المتميز بألوانه وشمسه… وصار الكورد يشكون في أي تنظيم أو مجموعة سياسية لاتشارك في الاحتجاجات الشعبية الهادرة، بل وصل الأمر إلى حد اعتبار نشاطاتهم السياسية والثقافية مجرد دعم لكفاح الشعب السوري في درعا الثائرة ومن بعدها حمص وبانياس واللاذقية، أي تلمس الشباب الكوردي مكانه المناسب والملائم ضمن رحم الثورة السورية، وليس على أطراف المحيط الجماهيري بذرائع صون القومية الكوردية أو العمل لانتزاع الحق القومي الكوردي

هذا التحول الكبير في “السياسة الكوردية” وضع حجر الأساس لاستراتيجية جديدة، أرغمت الأحزاب الكوردية على التخلي عن سياسة التغنّي بالوطنية السورية على صفحات البيانات فقط، وانما فرضت عليها الاختيار بين الانضمام للشارع السوري، الذي لم يعد عربياً بامتياز، وانما سورياً يضم الكوردي والعربي ومن سائر الأقليات الدينية والقومية، وبين البقاء بجهاز التلفون الخلوي ملتصقاً بالأذن في انتظار دعوة من النظام للحوار… وعليه يمكن القول بأننا نرى جبهتين كورديتين: إحداهما “سلفية!” مع الثورة والثانية لاتزال مترددة، تطلق على نفسها ألفاظ وألقاب “الوطنية!”، وكأن النزول لمقارعة نظامٍ مستبد متهالك خروج على “الوطنية

ومع الأيام سيلاحظ قادة وزعماء الحركة السياسية الكوردية الذين يفتقرون إلى أدوات ووسائل الوحدة والاتحاد فيما بينهم، رغم كل الشدائد والتحديات، بأن الوقت ليس لصالح الحوار مع هذا النظام الذي عليه الرحيل، والفاقد للشرعية حسب الشرع الرباني والدستور السوري وسائر المعاهدات والمواثيق الدولية وحسب رأي غالبية الشعب السوري الذي هو الأساس في التقرير والاختيار

ويبدو أن النظام لم يتمكن من كسب جميع الفصائل الكوردية الحزبية إلى “حوارٍ وطني” مزعوم، نعلم أن له أهداف عديدة من ورائه، وفي مقدمتها ضرب القوى الكوردية بعضها ببعض و تأليب الشباب على العجائز في صفوفها، ودق اسفين بين الحراك الكوردي في الداخل والخارج، بل بين الكورد والمكونات السورية الأخرى في المجتمع وفي المعارضة، ومن ثم كسب رضى المجتمع الدولي الذي على الطريق الآن للاعلان من خلال مجلس الأمن الدولي عن إدانة القمع في البلاد للحراك الشعبي المدني المسالم

ولكن، في الوقت ذاته، فإن في المعارضة السورية أيضاً –مع الأسف- من يتجاهل الاستراتيجية الكوردية الأساسية، ويحاول بذريعة “دعم الثورة السورية!” تصفية أو تقزيم المطلب القومي العادل للشعب الكوردي، وهذا لايؤخر المساهمة السياسية – الحزبية  الكوردية في الثورة فحسب، بل يضع العراقيل لحوارٍ وطني واقعي وموضوعي يؤدي للاعتراف التام بالوجود القومي الكوردي عبر الثورة  في الشارع، ومن خلال تفاعلاتها وتحالفاتها… ولقد رأينا تباينا في المواقف من المطالب الكوردية العادلة، بين المساهمين في مؤتمر أنتاليا الأخير للتغيير، في حين لانرى شيئاً ملموساً للكورد في نتائج مؤتمر بروكسل الأخير، مع أن جهاتٍ سياسية سورية ذاتها حضرت هنا وهناك

بعض زعماء المعارضة السورية المفترض فيهم أن يكونوا أشد تفهماً للألم الكوردي ورغبتهم في الاعتراف بهم كمكون قومي ذي حق في إدارة نفسه ضمن حدود البلاد السورية، يقولون لنا بصراحة: لقد أصابنا الملل من كثرة إلحاح الكورد على مطلبهم القومي في كل مؤتمر وفي كل بيان… ولكن سؤالنا هو: هل يشعر هؤلاء بالملل أيضاً من تكرار مطالب الشعب السوري في استرجاع الجولان أو تحرير فلسطين أو تحقيق الديموقراطية؟

ولذلك أقول: بقدر ما يتحقق لمختلف مكونات الشعب السوري من حقوق وبقدر ما نتوسع في مجال الادارة اللامركزية نضيّق الخناق على المستفردين بالدولة المركزية ونجنّب البلاد مخاطر قيام دكتاتوريات عسكرية أو حكومات عائلية أو سلطان حزبي غاشم باسم الوحدة الوطنية، ومركزية القرار في الدولة. وهنا يجب أن لايتغير شيء في النقطة الأساسية للاستراتيجية الكوردية السورية

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s