ملاحظات على تصريح السيد جميل بايق بصدد سوريا وتركيا والمعارضة

جان كورد، ‏14‏ حزيران‏، 2011

بداية أشكر السيد جميل بايق من قيادة حزب العمال الكوردستاني، الذي سماه بعض المنشقين عن الحزب في كتابات لهم ب”جزار كورد سوريا” على اهتمامه الواضح بالأوضاع في سوريا وبقضية شعبنا الكوردي في غرب كوردستان، فهذا يدل على التفاتة إنسانية وقومية حسنة من محارب كبير، في حين نكاد لانسمع من إخوتنا الآخرين، وأقصد قادة الكورد في الأجزاء الأخرى من كوردستان، أي تصريح يتعلّق بالجرائم التي يقوم بها النظام السوري، الأسدي – البعثي، ضد الإنسانية منذ بدء ثورة الشعب السوري الكبرى في 15 آذار 2011

ولقد أصاب السيد جميل بايق في تصريحه كبد الحقيقة في بعض النقاط، ولكن يبدو أحياناً وكأنه فقد الاتصال بالواقع السوري عامة والكوردي في سوريا خاصة، وأتى بمعلومات لاندري مدى صحتها ودقتها، وطرح أطروحات منقولة من زعيمه المعتقل في جزيرةعمرانلي، وأقصد السيد عبد ألله أوجالان، لاتتطابق مع واقع الشعب الكوردي والحركة الكوردية السورية التي تخطت مثل هذه الأطروحات منذ زمن بعيد… وهذا يستدعي منا ابداء ملاحظات على ما قاله لأن من حقنا ابداء الملاحظات، حيث يلعب “النقد والنقد الذاتي” لدى حزبه دوراً هاماً في العملية السياسية والتربوية إن لم أكن مخطئاً. وإن أسعفني الحظ سأتطرق إلى موضوع “الأوجلانية والنقد والنقد الذاتي”، في مقالٍ آخر وفي وقت مناسب، إن شاء الله، وذلك على الرغم من أن هجمات بعض الأقلام الدائرة في فلك هذا الحزب  تهبط أحياناً في ردودها علي وعلى غيري من الكورد الأحرار إلى مستويات لاتليق بالكرامة الإنسانية، ومنها مع الأسف أقلام هامة وقوية، وكأنها تريد القضاء بشكل ستاليني على كل معارض لسياسات هذا الحزب وقيادته، فهم يستخدمون عبارات مثل “بائع الشرف والوطن” “خائن الشعب والقضية”، “عميل يتقاضى الأموال التركية والدولارات…” “ياقزم، يا حقير يامنبوذ…!!!” وهكذا… من الكلام الثوري الطليعي، إلاّ أن الواجب الإنساني والقومي يفرض علينا أن نقول لهم ما نراه حقاً وندلهم على أخطائهم الكثيرة التي يقعون فيها مهما كان الثمن باهظاً لنا…لأنهم من بني قومنا ويهمنا أمرهم ولو لم يكن أمرهم يهمنا لتركناهم على حالهم

النقطةالأولى

يقول السيد جميل بايق:”… وسعى ممثلو الحداثة الرسماليّة في أمريكا وبريطانيا واسرائيل، فرض الاستسلام على العالم والشرق الأوسط وسورية وحزب العمال الكردستاني. وأتى التوقيع على اتفاقية أضنة في هذه المسعى. وبموجبها، بدأ النظام السوري معاداته للشعب الكردي وحزب العمال الكردستاني

طبعاً يبدو هذا الكلام للوهلة الأولى صحيحاً تماماً، ولكن كلمة “بدأ” ليست دقيقة، إذ أن هذا النظام معادٍ للشعب الكوردي منذ أن سيطر البعث بانقلاب عسكري على الحكم في سوريا في عام 1963، ولا أدري لماذا ربط السيد جميل بايق هنا بين معادة الشعب الكوردي وانهيار علاقات النظام مع حزب العمال الكوردستاني تحت ضغط التهديدات التركية في وقت متأخر بعقودٍ من الزمن عن بداية عداء النظام للشعب الكوردي، فهل يقصد أن الشعب الكوردي كان حتى لحظة خروج السيد أوجالان من سوريا في عيش رغيد وأمن وسلام في ظل نظام الأسد والبعث؟أما عن محاولة فرض الاستسلام على العالم والشرق الأوسط وسوريا وحزب العمال الكوردستاني من قبل أمريكا وبريطانيا واسرائيل فهذا موضوع طويل نتجنب إبداء ملاحظاتنا على ما قاله السيد جميل بايق بصدده الآن

النقطة الثانية

يقول السيد جميل بايق:”اتخذت أمريكا وتركيا قرارالتدخل في سورية. هذا الاتفاق جديد، وشامل وعميق. أنه يقضي بتصفية كل البلدان والنظم والاحزاب التي لا تخضع للحداثة الرأسماليّة. ولأن سورية لا تريد تنفيذ كل مطالب وأهداف هذه القوى، لذا اتخذوا قرار تصفية النظام السوري. وأولى خطوات التدخل، كانت المطالبة بإجراء إصلاحات وجعل جماعة الاخوان المسلمين شريكاً في الحكم. ثم الاطاحة بنظام الأسد، وفرض الاخوان المسلمين على الحكم. وبرفض الأسد لذلك، اتخذوا قرار تصفية نظامه، وتنصيب الاخوان المسلمين مكانه

يتحدث السيد جميل بايق هنا عن “قرار التدخل!” وعن “الاتفاق جديد” دون أن يعطينا أي معلومات أخرى عن هذا القرار أو هذا الاتفاق الذي لانعلم عنه أي شيء، ولم يتحدث عنه أي إعلام، أمريكي أو تركي أو سواهما في العالم…  ويبدو أنه تخمين أو ظن، والظن لايغني عن الحقيقة شيئاً. وفي هذه الجمل تبدو سوريا المنبطحة وكأنها القلعة الصامدة في وجه “الحداثة الرأسمالية” حيث يقول “ولأن سوريا لا تريد تنفيذ كل مطالب وأهداف هذه القوى، لذا أتخذ قرار تصفية النظام السوري...” والواقع التاريخي الحديث يثبت لنا أن النظام السوري لم يسمح باطلاق طلقة واحدة على جارته العدوة اسرائيل عبر حدود البلاد السورية منذ عام 1973 وإلى شروع الشعب السوري في الثورة في 15 آذار 2011، على الرغم من أن اسرائيل قصفت مفاعله النووي في وضح النهار، والإدارة الأمريكية رغم قساوتها تجاه نظام الأسد في عهد جورج بوش الابن، ورغم طلب وزير الخارجية آنذاك، كولن باول، الصارخ بأن تقوم سوريا بإصلاحات سياسية وبالمساهمة في عملية السلام مع اسرائيل وعدم التدخل في العراق والخروج من لبنان، لاتزال تبحث للنظام الأسدي عن أعذار وفرص واحتمالات لانقاذه من السقوط والانهيار، وذلك مخافة أن يصل الإخوان المسلمون إلى الحكم بعد زوال حكم البعث، فكيف تكون الولايات المتحدة مع بقاء النظام مخافة صعود الإخوان المسلمين وفي نفس الوقت تعمل على “تنصيب الإخوان المسلمين مكانه!”، ونحن نعلم العلاقة الوطيدة بين الإخوان و”حماس” المكروهة من قبل الولايات المتحدة… إن الادعاء بأن الأمريكان عاملون على “فرض الإخوان المسلمين على الحكم” مجانب للحقائق والوقائع على أرض الواقع السياسي، وسيكون مثار الضحك فيما إذا سمعوا بمثل هذا الكلام… ويبدو أن السيد جميل بايق يحشر اسم الإخوان هنا فقط للهجوم على حزب العدالة والتنمية التركي الذي يؤيد الإخوان السوريين ولايرى حرجاً في وصولهم إلى السلطة، إذ شتان ما بين الموقف الأمريكي والموقف التركي في هذه النقطة… والهدف الآخر من ذلك هو تبرير أي تنسيق أو تعاون بين حزب الاتحاد الديموقراطي المبني على الأفكار اليسارية لزعيمه وبين نظام البعث الاشتراكي ضد الفكر الإخواني… أو أنها دعوة منه في هذا الاتجاه 

النقطة الثالثة

يقول السيد جميل بايق:” وإذا لم يكن هنالك دعم أمريكي، اسرائيلي، فرنسي، وتركيا، وحتّى بعض القوى العراقيّة، لا يمكن للمعارضة السوريّة أن تنتظم وتغدو قوّة فاعلة. والمعارضة الرئيسية في سورية هم العرب السنّة والكرد. وإذا لم يتوحّد الكرد والعرب في إطار معارضة، فمن المحال أن تكون هذه المعارضة منظّمة وقويّة

هذا كلام جميل من السيد جميل، ولكن طالما العرب السنة الآن يشكلون مع الكورد (وهم في غالبيتهم من السنة أيضا) معارضة رئيسية، فكيف يمكن لهم قبول “دعم أمريكي، اسرائيلي…”، والإخوان المسلمون يشكّلون أهم قوة سياسية بين هؤلاء العرب السنة؟ بماذا سيرد الإخوان المسلمون على السيد جميل بايق بصدد دعم أمريكي واسرائيلي مزعوم؟ أليست هذه هي ذات التهمة التي كان يرددها الإعلام السوري والاعلام الشيوعي ضد الإخوان المسلمين أثناء عمليات الابادة لهم على أيدي النظام في ثمانينات القرن الماضي؟

طبعاً هذا الكلام يأتي للانتقال بعده مباشرة إلى محاربة نتائج مؤتمر أنتاليا، بزعم أنه مؤتمر مدعوم أمريكيا واسرائيليا، وبذلك يضع السيد جميل بايق بيضة حزبه في سلة النظام السوري بسهولة ويسر، لأن ممثلي العشائر والقبائل العربية السنية عقدوا على هامش المؤتمر اجتماعاً موسعاً خاصاً مع المكون الكوردي في المؤتمر، حيث أكد الطرفان على ضرورة تقوية أواصر الأخوة والشراكة في الوطن وحل الخلافات المستقبلية في حال ظهورها عن طريق لجان تحكيم من رؤساء العشائر العربية وقادة الأحزاب الكوردية وتفادي أي نزاع بين الطرفين مهما كانت الأسباب قوية.

النقطة الرابعة:

حسب المعلومات التي نملكها من مصادر مؤكدة، فإن الولايات المتحدة واسرائيل لم تكن راضيتان عن مؤتمر أنتاليا بسبب قوة المشاركة الإخوانية فيه، على الرغم من أن الإخوان لم يرسلوا شخوصهم الهامة إليه، وعقدوا في اليوم التالي لمؤتمر أنتاليا مؤتمراً آخر في بروكسل ليظهروا بأنهم في وادٍ آخر، ولاعلاقة لهم بما جرى في أنتاليا، على الرغم من مشاركتهم في هيئته المنتخبة ب4 أعضاء من أصل 31، لكن السيد جميل بايق يقول كلاماً مغايراً لهذه الحقائق، عندما يقول:“انعقاد مؤتمر انطاليا، يأني في إطار سعي القوى الحداثة الرأسماليّة وضع يدها على المعارضة السورية، وإدخال جماعة الاخوان المسلمين ضمن المصالح العالميّة.”  وكأن هدف الأمريكان من مؤتمر أنتاليا كان “إدخال الإخوان في اللعبة التي كان الإخوان أنفسهم من محضريها والقائمين عليها“… وهذا مجانب للحقيقة، بل إن المؤتمر جمع بين مكونات مختلفة فكرياً ومن بينهم الإخوان الذين لايمكن إنكار تفانيهم في سبيل إنجاح المؤتمر ليكون ضربة قاصمة للنظام الأسدي، ولو كان الأمريكان مساندين وداعمين للمؤتمر للمسنا ذلك في سير أعماله وبعد المؤتمر مباشرة

النقطة الخامسة

ماذا يقصد السيد جميل بايق من هذه الجمل المنسقة بصورة جميلة:”على شعبنا الكردي، وخاصة في غربي كردستان، معرفة  “هذه الحقيقة بشكل جيد ، وعليه إدراك هذه الألاعيب ويسعى إلى إحباطها، سواء أكان مع السلطة أم مع المعارضة،

فهل ثمة خيارٍ لدى شعبنا بين النظام الذي عمل على انكار وجوده عقوداً مضنية من الزمن وبين معارضة تطالب باسقاطه وقدمت حتى الآن آلاف الشهداء؟ ماذا يعني “سواءً أكان مع السلطة أم مع المعارضة!” ؟ فالشعب الكوردي السوري جزء من المعارضة الوطنية والديموقراطية السورية وعامل ضمن الحراك السوري العام لاسقاط النظام، والفارق بين الشعب والأحزاب واضح وجلي، ولكن لبعض الأحزاب ظروف ذاتية لاتسمح لها باللحاق بالثورة، إلا أنها ضمنياً مع الثورة ومع الشعب، لذلك فإن مثل هذا الكلام غير دقيق، إذ لامجال لخيارات أخرى في هذه المرحلة

النقطة السادسة

يقول السيد جميل بايق:” يجب حل القضيّة الكرديّة في إطار الادارة الذاتية الديمقراطيّة في غربي كردستان. وأي الطرفين، يقبل هذا الحل، على الشعب الكردي الاتفاق معه. ويمكن حل هذه القضيّة الكرديّة في سورية، في إطار الدولة المشتركة بين الكرد والعرب، وعلى أساس الأمّة الديمقراطيّة، وفي إطار الادارة الذاتيّة الديمقراطيّة، وإذا أصرّ النظام على سلوكه، فأن سورية ستواجه مخاطر التقسيم. ما سينعكس بشكل سلبي على المنطقة وشعوبها

 ما يقوله السيد جميل بايق هنا كلام خطير حقاً، فمن قال بأن شعبنا الكوردي في غرب كوردستان يطالب ب”الادارة الذاتية الديموقراطية!” حتى يقول السيد جميل “يجب!” حل القضية الكوردية في هذا الإطار؟  هناك أحزاب تطالب بالحقوق القومية للشعب الكوردي، وهناك من يطالب ب”الحكم الذاتي” كما أن هناك من يطالب ب”الفيدرالية الكوردية ضمن الوحدة الوطنية“، ولكن في النهاية فإن الشعب الكوردي في سوريا هو صاحب الحق الوحيد في تقرير مصيره بنفسه واقرار ما يريده كإطار لحقوقه القومية المسلوبة، ولن يقبل بأن يفرض عليه زعيم كوردي من خارج سوريا تصوراته أو تصورات حزبه أو رئيس حزبه، فهذا حق للشعب الكوردي السوري وحده. والخطورة لاتكمن في هذه الاملاءات التي تأتي من جهة غير سورية وانما في القول بأن “أي الطرفين يقبل هذا الحل (والمقصود بالطرفين النظام والمعارضة) على الشعب الكوردي الاتفاق معه

وهنا نقول: لا يا سيد جميل بايق…لا… كيف يمكن أن يقع شعبنا في أفخاخ نظام استبد به وأنكر عليه حقه القومي العادل عقوداً من الزمن، ثم يعترف بهذا الحق في لحظة تاريخية محددة؟ أليس هذا ببساطة غير واقعي وغير عملي؟ ومن ثم هل نساعد نحن الكورد، عشاق الحرية، هذا النظام المتهالك الدموي في حربه ضد الشعب السوري على إنقاذ نفسه من الثورة السلمية الديموقراطية؟ وماذا إذا انتصرت الثورة السورية المتعاظمة رغماً عن أنف الكورد والنظام؟

أظن  (والظن لايغني عن الحقيقة) أن هذه دعوة صريحة من السيد جميل بايق وحزبه لمعانقة أخرى للنظام الذي كان أحد المسببين في اختطاف زعيمه، ولربما تكون هذه المحاولة عن سابق لقاء واتفاق بين حزب العمال وبين رجال النظام، وذلك على حساب دماء الشعب السوري والقضية الكوردية أيضاً، وإلا فما كان هناك من داعٍ لطرح هكذا خيار غير مناسب زمنياً بين نظام ظالم مستبد يسفك دماء الشعب وبين معارضة سلمية ديموقراطية، خاصة وإن ثلاثة أحزاب كوردية على الأقل قد قررت المضي قدماً مع الثورة ضد الظلم والفساد والارهاب الحكومي… بل كان الأجدر به أن يدعو الشعب الكوردي للوفاء مع الثورة والثوار، وهو أحد أقطاب ثورة من أجل الحرية والكرامة الإنسانية والحقوق كما نسمع منه ومن رجاله باستمرار

فهل يمكن لنا الاختيار بين النظام والمعارضة بعد كل الجرائم التي ارتكبها في القامشلي سابقاً، وفي درعا وحمص وجسر الشغور وسواها منذ بدء الثورة السورية الكبرى؟

أما عن محاولات “عزل حزب الاتحاد الديموقراطي” التي  يتأوه منها السيد جميل بايق فنقول

إن حزباً يتبنى الحل السليم لقضية شعبه ومستعد للنضال دون تردد في سبيل حريته لايمكن عزله بتاتاً، ولكن حزباً يسير في الضباب ولايوضّح بالضبط ما يريده في غمرة كفاح الشعب السوري من أجل الحرية يعزل نفسه بنفسه بالتأكيد… وأملنا في أن لايكون حزب الاتحاد الديموقراطي هكذا كبير

Advertisements