كيف ستكون سوريا ما بعد الأسد؟

جان كورد، ‏09‏ أيار‏، 2011

أقارن لنفسي أحياناً بين نماذج كوردية وعربية وسورية، تزعم أنها تناضل من أجل الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان، وبين أحرارٍ ليبراليين وديموقراطيين ومدافعين عن حقوق الإنسان من الطراز الحقيقي الذي نلتقي بهم ونعيش بين ظهرانيهم في أوروبا منذ أكثر من ثلاثة عقودٍ من الزمن، فأجد هناك ..مع الأسف.. فارقاً عظيماً واختلافاً كبيراً في الصفحتين المتقابلتين، الصفحة السورية والصفحة الأوروبية

الديموقراطيون في أوروبا يؤمنون بهذا التراث الإنساني الذي تعلّموه منذ نعومة أظافرهم، في البيت والمدرسة، ثم في المعهد أو الجامعة أو في الثكنة العسكرية، وكذلك في النقابة ومركز العمل، حيث انضموا في حياتهم لمئات الاجتماعات والحوارات الديموقراطية الجادة، وبخاصة تلك التي هدفها تربية الإنسان تربية ديموقراطية، فيتعلم من خلالها سماع الآراء المغايرة لرأيه الشخصي، ومناقشتها بأدب وهدوءٍ من قبله، دون أن يؤذي من هو خصيمه في الموقف، وتستمر النقاشات بأشكال مختلفة، منها أن يظهر من يؤيد هذا الموقف وآخر يعارضه، ويتحاور شخصان أو كتلتان أمام مجموع المشاركين الآخرين، وفي النهاية بعد أن يعرض كل بضاعته السياسية أو الثقافية أو الاجتماعية، يحاول المستمعون والناظرون الآخرون بصبر وهدوء الوصول من خلال الاسئلة والأجوبة الموجهة لطرفي النقاش إلى الموقف الأقرب إلى الصواب، دون الاستهانة بالرأي المخالف… وهكذا فإن المجتمعات الأوروبية قد أنتجت من خلال النقاش الحر على مختلف المستويات الاجتماعية، الأسرية والمدرسية والنقابية والسياسية والفلسفية، رجالاً ونساءً مؤمنين فعلاً بالديموقراطية التي لايمكن اقامتها أو ممارستها أو تطبيقها دون تربية طويلة الأمد، كما هي حال الآسيويين الشرقيين، الذين تعلموا منذ صغرهم الأدب الجم في المخاطبة مع الكبار في السن ومع الضيوف والتجار والغرباء، بشكل يكاد يعتبر صعباً جداً على سواهم منافستهم في ذلك… وكذلك ما نراه من تواضع وخلقية رائعة لدى الطرق الصوفية التي تعلم منتسبيها الصبر والهدوء والاحترام في سائر المواقف

منذ أيام قلائل، إتصل بي من بلاد النرويج صاحب موقع ميديا كورد الدكتور جوان حقي، الذي أعرفه ناشطاً كوردستانياً ومثقفاً ديموقراطياً وإنساناً طيباً، أعافه ألله من مرضه وأمده في عمره، وسألني بلطف فيما إذا كنت مستعداً لترجمة مقال له، كما فعلت مرّة سابقة له، والله يشهد أنني كنت منغمساً في أعمال كتابية وغير كتابية متعددة ولم أكن أعرف أي مقالٍ يعنيه، فوعدته ووفيت بوعدي، وأنا أقوم بترجمة نصوص إلى العربية أو الكوردية الشمالية أو إلى الألمانية أو على العكس لإخوة وأخوات، سياسيين وأدباء، عرباً وكورداً، ومنهم سلسلة من شعراء وشاعرات عرب، من المغرب إلى العراق، مروراً بفلسطين ولبنان وسوريا، منذ زمن طويل، دون أي مقابل، وانما مساهمة مني لتعميق التواصل بين الناشطين والمثقفين والأدباء في منطقتنا، وبخاصة في كوردستان، حيث عدة لهجات، ومن كتابنا الكورد من لايعرف التحدث بالعربية أولا يعرف الكتابة بها، أو أنه يكتب بالعربية دون الكوردية… وكان مقاله الذي لم أقرأه من قبل حول العلاقة بين النظام السوري والآبوجيين الذين يريدون أن يلعبوا ورقتهم من جديد على الساحة السورية بطريقة يرتاب فيها بعض المحللين والدارسين الكورد ومنهم الدكتور جوان حقي… فأقام بعض أصحاب الأقلام الأوجلانية الدنيا وأقعدوها، وإذا بهم يصفونني والأخ الدكتور بالخيانة الوطنية وباستلام الأموال (الدولارات) من الحكومة التركية عن طريق شيخ طريقة صوفية عثمانلية، وبتعاوننا مع المخابرات التركية…!! ولذا أطلب منهم أن يضعوا أيديهم على رأس أعز ولد لهم وأن يقسموا اليمين على ما يبثونه من اتهامات كاذبة، ومتكررة بحقي، منذ أن شرعت بكتابة سلسلة من المقالات بالعربية في وقت مضى عن “الأوجلانية” وتناقضاتها ومسلسل تعرجاتها السياسية، منذ بداية ظهور حزبها، حزب العمال الكوردستاني، ولمعان بريق زعيمها المعتقل… بل منذ أن تركت إتحاد المثقفين الوطنيين الكوردستانيين في مؤتمره الأول لرفضي العمل وفق دستوره آنذاك، لأنه أصبح آيدولوجياً وكفصيل تابع للحزب وقائده… وأتساءل: أهؤلاء صاروا يؤمنون حقاً بالديموقراطية؟ أم أنهم يتبجحون بها دون أدنى إيمان لأن المرحلة تفرض ذلك عليهم؟ وهل يمكن الثقة حقاً بهؤلاء؟ هل تركوا عبادة الشخصية الأولى؟ وتحوّلوا إلى ديموقراطيين قادرون على سماع الرأي المخالف لهم؟

وهكذا، فإن هناك بين السوريين أيضاً، عرباً وكورداً ومن مختلف الطوائف والقوميات والأديان، أسراب كبيرة من دعاة الديموقراطية، ولكن إذا ما حككت جلودهم قليلاً لظهروا لك تماسيحاً لاتعرف سوى لغة واحدة: التغذية عن طريق العنف وفرض الموقف بالقوة

هناك من إذا حدثتهم عن “القضية الكوردية” تحمر وتصفر وجوههم وكأنك كفرت في حضورهم الايماني العظيم بوحدانية تكوين الشعب السوري، الذي هو شعب عربي من ذروة رأسه إلى أخمص قدميه، ولايقول شيئاً عن حقوق الكورد إلا لدغدغة عواطفهم، لدرجة أن حزباً يعتبر نفسه كوردياً وسورياً يرفض “الانجراف إلى الثورة السورية الكبرى” بذريعة أن ليس للكورد فيها بعد النجاح سوى مزيد من الاضطهاد، لوجود هذه النماذج التي لاتقل عنصرية عن البعثيين في صدارة المجتمع المعارض، أو أنه يتذرّع بذلك

وهناك، من قلت لهم بأن الواقع على الأرض يفيدنا يومياً بحقيقتين، هما

 الشعب السوري في معظمه مسلم العقيدة، ولابد من أن يراعي المعارض الديموقراطي من غير المسلمين ومن الشيوعيين والعلمانيين ذلك، ويحدد لائحته السياسية وفق هذا الواقع، فيرغي ويزبد، ويزعم أن الذين يعترفون بهذا الواقع عاملون على اعادة سوريا إلى “القرون الوسطى” أو ما قبلها…ويقول بلطف مصطنع: “ما هكذا تبنى الديموقراطية ياعزيزي

 هناك نسبة كبيرة من العلويين والدروز والاسماعيليين واليزيديين والمسيحيين ولربما بعض اليهود أيضاً، وعلى الإسلاميين التصرّف وفق هذه الحقيقة وهذا الواقع.. فيتفجر بعض المسلمين الذين يفترض فيهم أنهم تعلّموا منذ صغرهم أن ألله سبحانه وتعالى قد قال لرسوله الأكرم (صلى ألله عليه وسلم) ((وإنك لعلى خلقٍ عظيم)) ويسبون ويشتمون ويزعقون: شو…؟ هادول خربونا، عزلونا، سرقوا منا سوريا… خللي الثورة تنجح وبعدين نشوف… والله لنعمل كذا وكذا

هكذا سنتخلص من نظام فاسدٍ، موروث عن دكتاتور، ولكننا سنقع في مستنقعٍ نتن، لأننا لم نتمرس ولم نتمرّن على الديموقراطية في حقل الرياضة الذهنية، ولم نتعلمها في المدرسة السورية، التي ظلّت عقوداً من الزمن في ظل النظام البعثي الشمولي المتخلف، وأنتجت إداريين وحكوميين وعسكريين وبرلمانيين يعتقدون بأنهم ديموقراطيين، ولكنهم في الحقيقة ليسوا كذلك، حتى ولو صارت أسماء أحزابهم “ديموقراطية!”، وهي منتشرة اليوم كانتشار الفطر بعد المطر في بدايات الربيع… إذ صار لدينا “بعثيون ديموقراطيون” و”إسلاميون ديموقراطيون” ، بل و”عماليون – ماركسيون – شيوعيون ديموقراطيون” مثل فلاديمير إليتش لينين وماو تسى تونغ تماماً!…. وحتى “إعلاميون تابعون للنظام السوري ديمقراطيون!” وصارت الديموقراطية قميص عثمان يتسع لجميع القمعيين والمتطرفين والإرهابيين والعنصريين والمجرمين، إضافة إلى المتحزبين للحزب الأوحد، والقائد الأبدي، والتنظيم الفولاذي…و…و

فالذي لايستطيع وضع كرسي الرئاسة لحزبه تحت تصرّف رفيقه الآخر، بعد عقد كامل من الزمن، لايمكن أن يأتي لنا بالديموقراطية، والذي لايتحمل عبارة نقد واحدة فقط من زميله في تحالف سياسي لايمكن أن يأتي لنا بالديموقراطية، والذي يسب ويشتم من يكتب مقالة أو رأياً مخالفاً لحزب زعيمه لايمكن أن يأتي لنا بالديموقراطية، والذي جعل من حربه على دين الأكثرية السورية عملاً يوميا والتزاماً حياتياً لايمكن أن يأتي لنا بالديموقراطية، كما الذي يريد سحق كل أشكال النمل غير نمله الكثير لايمكن أن يأتي لنا بالديموقراطية

لذا، لاتؤاخذوني إخوتي السوريين وأخواتي السورييات، إذ أشعر بمرارة على لساني وقشعريرة في صدري، وأنا أنظر إلى سوريا تنتقل انتقالاً دموياً وخطيراً من عهدٍ إلى عهد، بل والخوف يأخذني من كل طرف، وأنا أرى هذا الحشد الهائل من أدعياء الديموقراطية والمتاجرين باسمها، من الذين لا يستطيعون سماع كلمة مخالفة لما يؤمنون ويعتقدون به، في كل تشكيلاتنا الدينية والسياسية والثقافية والاجتماعية، هذه التي تطرح أمام شعبنا مشاريعها “النهضوية” العملاقة والمحشوة بالألفاظ السمينة كالأبقار الهولندية عن “الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان” ونحن بعيدون عنها بعد الأرض عن كوكب زحل

إلا أن مخاوفي هذه لاتبرر لي، ولا لغيري، في الأحزاب والجمعيات وخارجها، أن نقف مكتوفي الأيدي، بلا أي عملٍ أو نشاط، وشبابنا السوريون، من فتيان وفتيات، يتحدون النظام الأسدي الدموي المرعوب والمعزول دولياً وداخلياً، ويدخلون المعركة الحاسمة ضده بصدورهم وإيمانهم، فلا بد أن نفعل شيئاً لمساندتهم، باليد أو اللسان أو بقلوبنا، وهذا أضعف الإيمان… وعلينا الكفاح معاً من أجل تطوير أنفسنا ب(الجهاد الأكبر) أملاً في تحقيق وبناء مجتمع سوري عادل بكل معنى العدالة، من الوجهة القانونية أو من جهة الاعتراف بسائر المكونات الكبيرة والصغيرة، أو من جهة التوزيع العادل للثروات الوطنية والمشاركة في البناء الاداري للنظام المستقبلي… فولادة الديمقراطية عسيرة وطريقها شائك طويل، وقد تكون فيه انتكاسات، مثلما حدث أثناء استيلاء النازيين على الحكم في ألمانيا والفرنكويين في اسبانيا والفاشيين في إيطاليا…ولكن الديموقراطية انتصرت فيها جميعاً

و….إنه لا ييأس من رَوحِ الله إلا القوم الكافرون

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s