خطاب الأسد السوري بين الخوف والاستهزاء

جان كورد، ‏17‏ نيسان‏، 2011

المراقبون السياسيون للأوضاع السورية ترقّبوا الخطاب الأخير للسيد الأسد باهتمام، ولكنه جاء ضعيفاً وكئيباً بالنسبة لتوقعاتهم. الأصدقاء والأعداء انتظروا أن تكون فيه ثمرة ما، بعد يومٍ طويل وعامر سبقه بالاحتجاجات والتظاهرات في اكثر من 10 مدن سورية، طالبت بخلع النظام واسقاطه

على أثر إلقاء الأسد لخطابه اتصل بي صديق أوروبي عن طريق الايميل، وهو يقضي بضعة أيام حالياً في ربوع كوردستان وأرسل لي مع الايميل بياناً مشتركاً بالانجليزية للأحزاب الكوردية السورية سائلاً عن رأيي الشخصي فيه، وكتب في آخر رسالته بأنه لا يدري كيف انتهى خطاب الأسد السوري وما جوهره أو ما الهدف منه، فأجبته بأن إلقاء الخطاب من عدمه، لم يغيّر من حال الشارع السوري شيئاً لصالح النظام، بل ساهم بقوّة في مزيد من التساؤلات والمطالبات برحيل الأسد وبطانته الحاكمة

لقد فرضت الأحداث الجسام في الشارع السوري نفسها على الرئيس ومن حوله وليس لأنه أحب قول شيء ما بمناسبة أداء اليمين الدستورية من قبل الحكومة الجديدة. ومع ذلك فقد جاء الخطاب مملاً ومرهقاً لكثيرين من السوريين، وأنا شخصياً لم أتابعه حتى النهاية. والجزء الأكبر الذي سمعته خلا من عبارات صريحة عن “الحريات” و”الديموقراطية” و”حقوق الإنسان”.. إنه لم يتطرّق إلى انتخابات نزيهة أو وقف للقمع الوحشي الذي يرتكبه نظامه ومن التحق به من البلطجية والشبيحة والمرتزقة، في حين أكد الخطاب على ضرورة محاربة “المخربين” بلا هوادة، والمخربون في نظر النظام “يجلبون السلاح من لبنان والعراق” ولربما يتهمون غداً الأردن وتركيا أوأنه سلاح اسرائيلي يدخل البلاد عبر الجولان المحتل كذلك، كما أضمر استهزاءً بالحراك الشعبي الكبير، الذي حاول الأسد تفادي ذكره وتجاوز هذه المشكلة الكبرى بابتسامات باهتة بل وبضحك أيضاً، في حين لاتزال أمهات وعوائل الضحايا تذرف الدموع

يبدو أن كل تظاهرات الشعب السوري وثورة الغضب التي أسقطت في مدن عديدة تماثيل جلالة الأب والابن لم تقنع هذا الرئيس “المستملك” بأنه في خطر ومملكته في حال اضطراب وبأن حكومته الجديدة رغم تصنت أفرادها لكلامه باهتمام مصطنع بادٍ للعيان قد بدأت حياتها على كف عفريت. هذا الخطاب الذي ظهر أثناءه الرعب مرتسماً على وجه صاحبه لم يكن موجهاً للشعب فالشعب غير موجود في دفتر هذا النظام، ولم يخاطبه المستملك مباشرة، وانما كان خطاباً لبطانته ووزرائه الذين هم أحوج ما يكونون لحبوب الهلوسة ليغمى عليهم فيتناسون الواقع الخطير مثله وليس لهذا الخطاب الذي لايختلف في رداءته عن خطابات الرئيس اليمني، وقد يعلم الأسد المستملك مثله “مسبقاً” بأن الشعب لايريد الاستماع إليه

إنه خطاب للإعلام السوري الذي أدخل نفسه في جحر النظام وهو مطية للظلم والأكاذيب المفبركة لأسياده عوضاً أن يكون صوتاً للشعب ومدافعاً عن الحقيقة، إنه خطاب للاعلام السوري الشبيه بالاعلام الغوبلزي النازي أو الصحافي الصدامي، وإنه قبل كل شيء لزرع بعض الشجاعة في قلوب البلطيجة الذين يضربون المحتجين بالهراوات ويطلقون عليهم النار وكذلك هو خطاب للمرتزقة الآخرين من حملة الأقلام…وعلى كل حال فإنه لم يكن خطباً لائقاً برئيس جمهورية أو بملك من الملوك

الرئيس المستملك لم يتقيّد بالنص المكتوب له، فهل فعل ذلك لأن النص كان مختصراً وهو يحب الأحاديث الطويلة المطاطية على العكس من أبيه الذي كان يحبّذ السكوت؟ أم لأنه أراد الايحاء بأن الذي يقوله هو شخصياً أهم مما يقدّم له من الحرس القديم والجديد، وهو يجيد الكلام بأرشق العبارات البعثية وبأعذب البيانات التفاؤلية من مستشارته الشعبانية، وما يقوله هو القول الفصل ولا أحد يقدر على الاملاء عليه

في الحقيقة ذكّرني هذا المستملك برئيس دولة من أمريكا اللاتينية في أحد الأفلام السينمائية ألقى خطابه أمام كاميرا التلفزيون ونياشين القوّة وأنواط الشجاعة تزيّن صدره، وعندما انتهى تراجعت الكاميرا لترينا فوهات البنادق الموجهة إلى صدره

أراد المستملك إظهار نفسه بهذا الخطاب قوياً لايزال ممتطياً صهوة جواده، وما الحكومة سوى أتباع وأشياع متملقين ومنتفعين من حوله، وأن “كل شيء تحت السيطرة” كما يقول المتحدثون بالانجليزية، ولكن مردود خطابه قد عاد بالنتائج السلبية على نظامه وحاشيته المترفة، لأن الشعب لم يتراجع عن الاحتجاج والمطالبة باسقاطه، ويبدو أن الفرامل الجديدة المصنوعة من “إصلاحت ورشوات وتعديلات شكلية” لن توقف قطار الثورة الذي يسير عبر الشرق الأوسط كله بصورة تثير الرعب في قلوب الحاكمين

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s