الثورة مستمرة ب”هوية” أو بدون هوية

جان كورد، ‏8‏ نيسان2011

النظام السوري القائم مقدم على تقديم مختلف التنازلات، في ذات الوقت الذي تتزايد اجتماعاته مع رؤساء المخابرات والشرطة وزعماء الأحزاب التابعة المدجّنة والمسؤولين عن تأمين أكبر قدرٍ ممكن من “الشبيحة” و”البلطجية”… وهذه السياسة المزدوجة التي تفوح منها رائحة العطور الرخيصة ورطوبة السجون معاً سياسة عريقة لدى سائر الدكتاتوريات والنظم الاستبدادية… ولكن الشعوب التي تمخر بسفينتها البحار الهائجة لاتخاف من العصي الغليظة ولاتنخدع بفتات الحلويات التي تنثرها السلطة لتحريف مسارها وايقافها عن مسيرتها… وهكذا الشعب الكوردي في سوريا، تماماً مثل الشعب العربي وسائر المكونات الأخرى التي تتألف منها التركيبة السكانية للبلاد

لقد حرم هذا النظام بالذات، نظام البعث الأسدي، شعبنا الكوردي من ممارسة سائر حقوقه القومية، فمنع تعلّم الطفل الكوردي في المدرسة لفظة “باران” من لغته الأم إلى جانب لفظة “مطر” العربية، ومنع الأغنية الكوردية من أن تغنّى في الراديو والتلفزيون السوري منذ أن اغتصب البعثيون الحكم في عام 1963، بل رفض تسمية المواطن الكوردي بأنه “كوردي” حتى في مرسومه التشريعي الأخير، الذي سيتم تسويقه على أنه من “إنجازات البعث العظيمة” والذي صادف إصداره يوم ميلاد البعث في 7 نيسان، فالجنسية المغتصبة ستمنح للمواطن في محافظة الحسكة، وهو المواطن الكوردي دون سواه، ولكنه سيسجّل ك”عربي سوري” أي سيحرم من حقه القومي بذريعة أن البلاد كلها عربية  وما على الكوردي إلاّ أن يقبل بذلك أو يرحل… وبالتأكيد هناك مع الأسف في المعارضة من لايقل شراسة عن البعث الحاكم في هذا الصدد

وفي الحقيقة لاندري كم من الوقت سيمّر حتى يحصل الكوردي فعلاً على حق المواطنة العربية هذه، وكم من الرشاوى سيدفعها للبيروقراطيين، وكم سيتم تعذيبه للتأكّد من صحة الورقة التي بين يديه، تلك الورقة الحمراء الشاحبة التي حوّلته أو حوّلت أباه أو جده إلى “لاجىء أجنبي” في أرض وطنه، فورثها عنهم وأصبح بذلك ضحية من ضحايا العنصرية التي دام أمدها… وما مصير الذي لم يمتلك هذه الورقة أي “المكتوم” غير الوارد اسمه في السجلات،… ماذا سيصدر السيد وزير الداخلية من قرارات واجراءت معرقلة ومعوّقة للحصول على الجنسية العربية السورية… وما حجم التدخل الأمني في ذلك؟ فالذي يمنع المواطن من نقل ملكية عقارٍ صغير إلا عن طريق “الأجهزة الأمنية” سيمنع  اقتناء هوية سورية أيضاً مالم توافق على ذلك هذه الأجهزة… أي أن هذا المسكّن السحري قد لايعطي أي مردود لازالة هذه المعاناة دون معاناة أكبر

أن تكون كوردياً، يعني أن تقبل الجلوس على مقاعد خلفية في سائر المعاملات القانونية والاجرائية مالم تكن عميلاً للأجهزة الأمنية أو دافع رشاوي يومية أو يكون لك ساند يسندك في دمشق أو حلب أو الحسكة، حتى صار امتلاك دعم هكذا شخصية من الفضائل الكبرى التي يفتخر بها المرء

إن كان انتزاع الجنسية من مئات الألوف من المواطنين الكورد بجرّة قلم وعن طريق الوراثة قبل عقود من الزمن صحيحاً من وجهة نظر قانونية أو حسب لائحة حقوق الإنسان فلماذا يعاد له هذا الحق فجأة وبمرسوم تشريعي من رئيس البلاد؟ وإن كان خطاً فلماذا لم يتطرّق المرسوم إلى ذلك الخطأ التاريخي الثقيل الذي أرهق حياة جزءٍ هامٍ من المواطنين “العرب!” السوريين، وهل يمكن اعتبار هذا الاجراء “من “الإصلاحات والانجازات!” أم أن الظروف المستجدة فرضت على الرئيس مثل هذا المرسوم، خوفاً من استفحال الأمور، وبهدف تحييد الكورد ولو لفترة وجيزة عن ملعب الكرّ والفرّ…؟ لماذا لم يتطرّق المرسوم إلى تعويض المتضررين من استمرارعقوبة التجريد من حق المواطنة طوال حكم البعث حتى آخر عيد ميلادٍ له؟

الكورد الذين في منطقتي كوباني (عين العرب) و كورداخ (جبل الأكراد) أو ما يسمى الآن ب”جبال حلب!” لم يفقدوا جنسيتهم السورية بحكم ذلك الاحصاء الاستثنائي الحقير في عام 1962، فكان وضعهم أفضل من إخوتهم وأخواتهم في الجزيرة، ولكنهم مشاركون في الانتفاضات السورية التي انطلقت منذ الخامس عشر من آذار الحالي، رغم امتلاكهم هذه الهوية العربية السورية، فالموضوع هنا ليس وجود “هوية عربية سورية” أو عدم وجودها، وانما القضية هي قضية بقاء نظام أو عدمه… فالكورد والعرب اتحدوا ومعهم سائر مكونات الشعب السوري على أن الوقت قد حان  لاحداث تغيير جذري في بنية النظام وعقلية النظام وتراكيبه السياسية المتخلفة، ولم تعد تنفع الرشاوي والاعترافات و”الاصلاحات!”…فمن يضمن لنا نحن الكورد أن لايقع هذا النظام إن استمر حياً في أخطاء تاريخية أخرى سوى ديمومة الاحصاء الاستثنائي ضدنا أو حرماننا من سائر حقوقنا كقومية متميّزة عن القومية العربية في البلاد؟ من يضمن لهذا الشعب أن لاتمّر سائر معاملاته الادارية عن طريق الأجهزة الأمنية؟ من يضمن أن لايحكم الأسد حتى يكبر ولده فيعينّه أو يوصي بتعيينه خلفاً له، مثلما فعل أباه، فتصبح سوريا التي استقلّت عن فرنسا كجهورية دولة ملكية صرفة؟ من يضمن لنا أن يترفّع جلاوذة النظام ووحوشه المفترسة عن تعذيب النساء والأطفال والرجال لدى اعتقالهم بسبب أو بدون سبب؟ ومن يضمن لنا أن لايصبح “قانون مكافحة الأرهاب!” المزمع إصداره ليحل محل “قانون الطوارىء” سلاحاً أخطر على الحريات السياسية والاعلامية والدينية والاقتصادية من قانون الطوارىء ذاته؟ … ومن يضمن لنا أن لايستمر النظام في تعزيز أجهزته القمعية والأمنية على حساب تحقير دور الجيش السوري؟ كما من يضمن لنا أن لاتتحوّل البلاد في ظل التدخل الفارسي المستمر في سوريا إلى مزرعة لحزب الله والباسداران وعصابات الاغتيال الايرانية الشهيرة، فيقضى على أيديهم على كل عالم يقف في وجه تشييع السوريين؟

الاصلاحات تتم وتنفّذ بارادة حرّة، من قبل شعب حرّ، وتوكيل شرعي صحيح للنظام من خلال انتخابات نزيهة وحرّة وتحت اشراف دولي، فهل هناك من يضمن لشعبنا السوري أن لايصّر رئيسنا ومن حوله على البقاء في الحكم وعدم هجر “قصر الشعب” على غرار باغبو رئيس ساحل العاج الذي خسر الانتخابات وعرّض بلاده لحرب أهلية ولكنه بقي مختفياً في قصره رافضاً التنازل لشعبه الذي وقع خياره الديموقراطي على سواه…؟

الكورد مشاركون في الثورة سوى العملاء والمرتزقة من الجاش الذي يشاركون النظام على مستويات مختلفة للوقوف في وجه الثورة، ولايهم أن يحمل الكوردي في كفاحه العظيم إلى جانب إخوته وأخواته السوريين هوية عربية سورية أو هوية بلادٍ أخرى كما هو حال الآلاف منهم في المهاجر أو كانوا “لاجئين أجانب” في وطنهم، بلا هوية عربية سورية… فهم لايكافحون فقط من أجل هوية سورية في للعيش بها في ظلام الاستبداد، وانما من أجل الحرية والكرامة التي تنص عليهما لائحة حقوق الإنسان، وبالتأكيد من أجل نيل سائر حقوقهم القومية التي تنص عليها المعاهدات والمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الشعوب والقوميات والأمم

فالثورة اليوم ثورة بلا هوية…تجتاز الحدود دون جواز سفر، بل دون إذن مسبق من الأنظمة المستبّدة… إنها روح الإنسانية المستيقظة

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s