السلطة السورية ونظام الجاش

جان كورد، ‏الأربعاء‏، 06‏ نيسان‏، 2011

الجاش كلمة كوردية محرّفة عن اللفظة العربية (جحش أو جحوش)… وهي معروفة لدى الكورد، وطنيين وعملاء في الوقت نفسه، فلقد اعتمد نظام البعث العراقي لأكثر من عقدين من الزمان على كتائب وفصائل للجاش، ودفع لها الأموال، وبنى لها نظاماً عسكرياً أساسه قوى العشائر الكوردية التي كانت معادية للثورة التي قادها القائد الأسطوري مصطفى البارزاني، الذي كان شعاره الايماني (يقيني بالله يقيني) وكان القرآن الكريم لايفارقه طوال سنوات الكفاح التحرري للشعب الكوردي

الجاش كان نظاماً له رؤساء وعمداء يسمون ب”سروكى جاش”، ومنهم من كان يسمى ب”جاش 66″ أي دخلوا في سلك الخدمة القتالية للنظام الصدامي منذ عام 1966، وكانوا من أخطرهم وأشدهم عداءً للثورة الكوردية. واستطاع صدام حسين من خلال الترغيب والترهيب تطوير نظام الجاش إلى قوة عسكرية – سياسية هائلة لاتتوانى عن التقتيل والتعذيب والاغتيالات والتدمير، وكذلك الاستيلاء على ممتلكات الكورد المعارضين للحكومة المركزية، بل تمكّنت السلطة من بناء مجلسين “تشريعي وتنفيذي” للجاش ليعطيهم صفة سياسية تدير منطقة ما كان يسمى ب”الحكم الذاتي”، ووصل عدد هؤلاء العملاء والمرتزقة الكورد الذين وقفوا ضد شعبهم حتى أثناء “حرب الأنفال” الرهيبة التي شنّها نظام البعث الصدامي على شعب كوردستان إلى ما يزيد عن مائتي ألف مرتزق

ولكن، تعرّض النظام العراقي لهزات عنيفة، بسبب الضربات القوية التي تلقاها بسبب الحرب الطويلة الأمد مع ايران، ومن ثم الضربات القاتلة التي سددتها إليه قوات التحالف الدولي أثناء غزو قواته العراق، وإفنائها بسرعة صاروخية وقوة تدميرية هائلة، ورأى الجاش الأكراد أن مصيرهم قد أصبح ضبابياً أو مجهولاً، ولاينكر أن جزءاً كبيراً منهم كان قد التحق بقوات الجاش خوفاً على نفسه أو عائلته أو أملاكه، ولم يكن انضمامه إليها عن عقيدة أو إيمان بأنه يخدم خدمة شريفة للوطن المشترك. فهبّ الجاش وكانوا مسلّحين تسليحاً جيداً، وتمكّنوا من فرض سيطرتهم على العديد من المراكز الحكومية والعسكرية المتواجدة في كوردستان العراق خلال فترة وجيزة، وهذا ما شجّع الشعب على الثورة، فاندلعت انتفاضة الكورد الشاملة في عام 1991م وأضطر صدام حسين إلى ارسال قوات ضخمة مزوّدة بمختلف الأسلحة، وساهم في نجاحه آنذاك أن قوات التحالف الدولي سمحت له بإخراج طائراته العمودية (الهليوكوبترات) وزجها في قصف ورمي السكان المدنيين، ورافق ذلك تهديد من رجالاته من أمثال طارق حنا عزيز وعلي حسن المجيد التكريتي وعزت الدوري باستعداد النظام لقصف المدن الكوردية بالغازات السامة من جديد، كما فعل في عام 1988 في مدينة حلبجة ووادي باليسان وغيرهما…. وانتشر الرعب كالنار في الهشيم… ثم حدثت نكبة الهجرة المليونية الشهيرة للشعب الكوردي صوب الحدود التركية والايرانية…وأضطر المجتمع الدولي إلى التدخل واحداث منطقة حظر جوي على مناطق واسعة من اقليم كوردستان العراق

نعم، لقد انتفض الجاش مثل غير الجاش من وطنيين ومعارضين وثوار في وجه النظام الذي كان يغدق عليهم بالأموال والأسلحة والألقاب والمناصب والأوسمة ويقوّي علاقاته بهم، حتى صار رؤساء الجاش كالقطط السمان

أخذت الحكومة التركية ذات النظام، نظام الجاش وسمتّه ب”كوى قوروجي” أي “حماة القرى…فوزّعت الأسلحة على القرويين الكورد، وبخاصة رجال العشائر المتاخمة للحدود الايرانية – العراقية السورية، وشجّعتهم على الحرق والقتل والاغتيال والتدمير بلا رحمة، حتى وصل عددهم في وقت من الأوقات إلى أكثر من 80.000 منتسب، رغم أن قوات حزب العمال الكوردستاني كانت تضربهم بيدٍ من حديد، إلا أن عددهم كان في تزايد مستمر… ولكن هذا النظام أثبت فشله في تركيا أيضاً نظراً لوعي الشعب الكورد وثباته على المطالبة بحقوقه واستعداده للتضحية من أجلها

السلطة السورية القائمة بدأت أيضاً منذ سنوات طويلة بتجميع قوى كوردية عشائرية تحت أمرة شخصيات مقرّبة من الرئيس الراحل حافظ الأسد، ومنهم شقيقه جميل الأسد، الذي جمع أموالاً طائلة من الكورد بتنظيمهم في تنظيم مشبوه باسم “جمعية المرتضى” التي كانت غالبية أعضائها من الكورد. ولكن يبدو أن النظام السياسي لأخيه لم يكن يفسح له للتمادي في بناء قوة “الجاش” تلك. واعتمد النظام أيضاً في دفع بعض الناس من الكورد الموالين له إلى الاعلان عن “فرسان صلاح الدين” الذين ظلوا مجرّد اسم على يافطات كبيرة في مداخل “حي الأكراد” بدمشق، ولم يتمكنوا من تطوير أنفسهم سياسياً لأن النظام استطاع التضييق على الحركة السياسية الكوردية في البلاد من خلال تسخير أحزاب “كوردستانية” كانت لها مواقف مؤيدة للنظام الأسدي – البعثي حتى فيما يخص الوجود القومي الكوردي في البلاد، ومعادية للحركة السياسية الكوردية، ومن ذلك تصريح الزعيم العمالي الشهير السيد عبد ألله أوجالان فيما يخص الكورد في سوريا (أنظر كتاب: سبعة أيام مع القائد آبو). ثم عندما ساءت العلاقات بين النظام وأولئك الموالين، فإن النظام قد لجأ إلى دفع بعض التجار الكورد ومنهم مروان الزركي لتشكيل حزب باسم التجمع الوطني الديموقراطي ليلعب دور البديل بين الشعب الكوردي وعلى المنوال ذاته، إلاّ أن وعي الشعب الكوردي قد أحبط تلك المحاولات أيضاً واستمرّت في نضالها الحركة الكوردية السياسية التي مزّقتها الانشقاقات وأضعفتها ونخرت فيها بعض ديدان النظام على مستوى القيادات المتقدّمة مع الأسف

ومع بداية محنته السياسية الحالية التي أحدثتها تأثيرات الثورة العربية الكبرى المعاصرة في المنطقة، شرع النظام في استدعاء قواه “الكوردية” المخلصة من بعض الزعامات الباهتة اللون ومن عملاء مأجورين وشريحة من رؤساء العشائر، لينتظموا في سلك “نظام الجاش” الذي لم يتبلّور بشكل واضح كما في العراق وتركيا ولكنه يسير في ذات الاتجاه، اتجاه القيام بدور “البلطجية” و”الشبيحة” للنظام الأسدي المذعور من انتفاضات الشعب السوري… وهنا يجدر بالذكر محاولة المدعو عمر أوسى الذي يعمل علانية لتلميع صورة النظام أمام الشعب الكوردي والادعاء بأن النظام “صديق قديم” للشعب الكوردي وهو “ديموقراطي ووطني” وعامل على إنجاز “الاصلاحات التاريخية” وقادر على احباط “الفتنة” وعلى أن الكورد مخلصون أوفياء له…. ومن ثم احضار النظام لبعض رؤساء العشائر الذين لم يكن لهم في يوم من الأيم أي دور يذكر في النضال السياسي للشعب الكوردي ليقدّمهم كمحاورين باسم الشعب الكوردي… وبقي أن يشكّل لهم مجلساً رئاسياً “سه روكاتيا جاش” ليدخل في خدمته كما دخل الجاش في العراق والكوي قوروجي في تركيا في خدمة السياسة الحكومية من قبل

إن انتعاش الحراك الشبابي الكوردي المطالب بالتغيير الجذري في سياسات البلاد وفي ممارسات وسلوكيات الحركة السياسية الكوردية في الوقت ذاته هو الضمان لافشال المشروع السوري لاقامة وتقوية “نظام الجاش” هذا… ولذا فعلى كوادر الحركة السياسية الكوردية المخلصين والناضجين دعم الشباب في نشاطاتهم وتوجههم الصحيح بكل قوة ودون تردد

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s