النظام السوري والشفافية الاعلامية؟

جان كورد، ‏28‏ آذار‏، 2011

كتب المفكر الاستراتيجي كارل فون كلاوزيفيتز (1780-1831) م عدة كتب هامة عن نظرية الحرب الكلاسيكية، وتحدّث في الكتابين رقم (6) و (7) من مؤلفه الشهير “حول الحرب” عن موضوعات “الهجوم” و”الدفاع” بنظرات دقيقة، ومن ذلك أن المهاجم قد يلجأ أو يضطر إلى استخدام أسلوب الدفاع لتثبيت أو إدامة هجومه أو لمجرّد الابقاء على قواته في حالة هجومية، وهذا ما أضطر إليه الامبراطور الفرنسي نابليون بونابرت أثناء غزوه لروسيا، حيث كان لابد له من اقامة محطات أو نقاط تجمّع أشبه بالقلاع تتخذ حالة “الدفاع” عن قواته المهاجمة على امتداد خطوط الامدادات والاتصالات بين مؤخرة هذا الجيش في الغرب وطليعته المهاجمة في العمل الروسي، كما أضطّر لأن يقدّم نفسه أثناء حملته الشهيرة على مصر كمدافع عن الحقوق البشرية في الوقت الذي كان يضع الأحرار على الخوازيق

وهذا بالضبط ما يقوم به النظام السوري الآن، فهذا النظام قد عمل منذ بداية قيامه في عام 1970 وإلى الآن على تجريد الشعب السوري من كل مقومات القوة لمعارضته، ومنها (الاعلام والأموال والقوى القمعية المختلفة)، واستمر في ارهاب الشعب والمعارضين والمخالفين ورفض الاستماع إلى مطالبهم وداس على الحقوق المدنية وارتكب الجرائم ضد الإنسانية في عهد الأسد الأب (1980-1982) في وسط البلاد، وفي عهد الأسد النجل في شمال البلاد في عام (2004) وفي غربها وجنوبها في عام (2011)، إضافة إلى قمعه للسجناء السياسيين وتقتيلهم كما جرى في تدمر والمزة سابقاً وحديثاً في عدرا / صيدنايا، وارتكب مسلسل اغتيالات فظيعة بحق علماء السنة ومنهم الشيخ محمد معشوق الخزنوي وأكثر من 40 عسكرياً كوردياً كانوا في خدمتهم الالزامية، وقائمة المفقودين من المواطنين تضم آلاف الأسماء… بمعنى أن النظام في حالة حرب هجومية على شعبه تتوضّح أبعادها الآن بشكل صارخ، إلاّ أنه في حملته البونابرتية الشرسة هذه ينتقل إلى حالة “الدفاع” إعلامياً على الأقل، بل في سرده الدراماتيكي لهجوم “عصابات الزعرانين” (في ليبيا: الجرذان) على  مجموعات رجال الشرطة في مدينة اللاذقية أثناء الانتفاضة الجماهيرية الأخيرة فيها وجرح العشرات منهم، بحيث قلب الصورة الاعلامية لتبدو وكأنه نظام بريء مسالم ناعم الملمس يدافع عن نفسه وليس هو بالمهاجم على الشعب… ومن قبل كان النازيون الألمان أثناء الحرب العالمية الثانية يشنون الحرب على الشعوب المجاورة، في حين كان يتخذ الاعلام النازي حالة “الدفاع”… وعن أي شيء؟ عن “المجال الحيوي للأمة الألمانية الكبرى”المحاطة بالأعداء الذين أوشكوا على الهجوم، ولم يتوانَ المسؤول الاعلامي الشهير غوبلز عن التصريح علناً بقاعدة “إكذب…إكذب…إكذب…حتى يصدقك الجميع!” وهذا الدور يلعبه اليوم –مع الأسف- إعلاميون سوريون بارزون، وفي مقدمتهم السيدة الدكتورة بثينة شعبان، مستشارة الرئيس السوري، فهم يرددون جملة من الأكاذيب وينشرون حزمة من أدوات التضليل الاعلامي لتعكير الأجواء على المواطنين السوريين واشقائهم العرب وعلى المجتمع الدولي وليمهّدوا الطريق لتحويل وجهة الصراع في سوريا، الذي هو صراع بين معسكري الاستبداد والاقصاء والاستئثار الفئوي بالسلطة وبين المعسكر المطالب بالحريات والحقوق والمشاركة اللافئوية لمختلف المكونات السورية في السلطة، والوجهة المقصودة هي الصراع الطائفي المقيت، وسواءً في مدينة درعا التي سفك فيها “شبحية” النظام دماء مواطنين مسالمين محتجين اتخذوا الجامع العمري مقراً لتجمعهم ولاسعاف جرحاهم، أو في مدينة اللاذقية التي فقدت أيضاً كوكبة من شبابها المنتفض سلمياً، فإن الآلة القمعية والآلة الاعلامية للنظام تمارسان سياسة تأجيج النزعة الطائفية وإظهار النظام المهاجم بعنف في الوقت ذاته كمدافع عن القيم الحضارية والإنسانية، وتصويره على أنه بريء من دم الشعب براءة الذئب من دم يوسف (عليه السلام)، فالأسطورة الدراماتيكية التي سردتها السيدة بثينة شعبان عن تسلل مجرمين إلى مخفر للشرطة وسرقتهم أسلحة وبعدها تمكنهم من الدخول إلى دائرة أمنية، ومن ثم قدرتهم على اختراق طوق الأمن المفروض على الجامع العمري وقتلهم الناس فيه والانفلات من قبضة النظام لاتجدها إلا في المسلسلات الخيالية، فالسوريون يعلمون تماماً أن كل مخافر الشرطة ودوائر الأمن وفروع حزب البعث الحالك وكذلك الجوامع السورية خاضعة لرقابة شديدة وهي مدججة بالسلاح، فكيف تم هذا العمل الاجرامي على هذه الصورة، ومن المسؤول عن ذلك في نهاية الأمر، أوعلى من تقع مسؤولية الفشل في صون أرواح المواطنين؟ وهل يصدّق أحد في هذا العالم الأسطورة الأخرى التي تزعم أن عصابات “الزعرانين” قد تمكنت من ضرب وجرح عشرات الأفراد من الشرطة السورية، بحيث دخلوا المستشفى دون أن نرى جريحاً واحداً من المجرمين بينهم؟… وهناك من يعتقد بأن الأمن السوري هو الجاني الحقيقي، وذلك لايهام العالم بأن النظام في حالة “دفاع” وليس “هجوم” حسب التصنيف الكلاوزيفيتسي لأطراف الحرب… ومنهم من اعتبر كل هذه التفصيلات الشعبانية للسيدة بثينة مجرّد كذبة نيسان ولكنها جاءت مبكرة هذا العام

إضافة إلى ذلك، فالنظام يتهم دولاً أجنبية (!)  اقليمية وعربية في دعم المحتجين في الجوامع بالسلاح والمال والخطط للهجوم عليه، وذلك نظراً لمواقفه المؤّيدة للقضية الفلسطينية…!!! ويعني بذلك السعودية واسرائيل كما نفهم من الصياغات الاعلامية الرسمية الضبابية…فهل هاتان الجهتان قويتان لهذه الدرجة في المجتمع السوري إلى حد تفجير ثورة وتجنيد واسع النطاق لعصابات “الزعرانين” والهجوم عن طريق عملائهما على المراكز الحكومية وقوى الأمن الداخلي؟ فهل النظام السوري عاجز لهذه الدرجة؟ فإن كان ذلك صحيحاً فعلى سوريا الأسد السلام

من أجل توضيح الحقائق جملة وتفصيلاً، لابد من شفافية إعلامية في البلاد، فالاعلام الرسمي متواطىء مع المتهم الأكبر بالجناية في هذه الساحة، ألآ وهو النظام نفسه، فهل الجاني هو الذي يحدد أبعاد المحكمة وقوانينها وجدول أعمالها ويعيّن قضاتها، أم يجب أن تكون التحقيقات الاعلامية الدقيقة والموضوعية عملاً مشتركاً وتنافسياً في سبيل إظهار الحقيقة بين سائر شركات الاعلام الوطنية والاقليمية والعالمية؟ فلماذا يحق لبعض القنوات العربية –مثلاً-أن تنقل الأخبار والتحقيقات من اسرائيل مباشرة ساعة وقوع الأحداث ولاتستطيع تلك القنوات ذاتها القيام بذلك في سوريا “العربية”؟

والشفافية الاعلامية تتطلّب صون حرية الرأي والقول والتعبير، وهذا يجزم وجود حرية سياسية للأحزاب والجمعيات والمؤسسات المختلفة التي تهتم بقضية الحريات… وهذا كله صعب المنال في سوريا “الأسد” الآن…لأسباب وأسباب

ولهذا يتحتّم على المجتمع الإنساني برمته الضغط على النظام السوري لفتح الباب أمام حرية سياسية – اعلامية بهدف الوصول إلى مستوىً عالٍ من الشفافية الاعلامية التي بدونها لن نتمكّن من التفريق بوضوح بين “المهاجم” و”المدافع”، على الرغم من أننا على ثقة بأن النظام السوري هو الذي يحارب الشعب ويستخدم حالتي “الهجوم” و”الدفاع” في الوقت ذاته، ويعمل على إخراج قوى الشعب المعارضة وجماهيره المحتجة المنتفضة من المعركة وهي لاتمتلك أي سلاح تدافع به عن نفسها. إلاّ أن توالي الأحداث بسرعة غير متوقعة قد أثّر بالتأكيد سلبياً على مجمل الخطط والبرامج التي أعدتها هيئة أركان الحرب في النظام ضد الشعب. والشعب يبدع ويبتكر أساليب وأسلحة جديدة في كفاحه، ومن أهمها النضال السلمي الذي أثبت فعاليته منذ عهد غاندي في الهند وإلى عهد “ثورة الشعوب” المعاصرة هذه

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s