الخطاب القادم للرئيس الأسد إلى الشعب السوري

جان كورد، ‏السبت‏، 05‏ آذار‏، 2011

سمعنا ورأينا الزعيم الليبي القذافي “ملك ملوك أفريقيا”، وهو يخطب بشكل حماسي كممثل مسرحي يلعب دور من ابتلع حفنة من حبوب الهلوسة، ولربما تناولها فعلاً، كما لاحظ الفنان المصري الكبير عادل إمام وشرع يأمل في أن يكسب هذا الممثل الليبي الموهوب لضمّه إلى فريقه الكوميدي، وصار يحدّق ليلة بعد أخرى في ذلك الخطاب الشهير قبيل نومه ليضحك طويلاً وينام هادئاً مطمئناً إلى أن زعماء العرب لايزالون بخير، وأقصد من ناحية العقل

وحتى لايشهد العالم مسرحية عربية أخرى كمسرحية السيد القذافي، ومن قبل ما قاله اللا مبارك لشعبه المصري العظيم، وما تلاه من كلام مكتوب الهارب بن علي الرئيس التونسي الملاحق من قبل الانتربول الدولي بسبب ما سرقه من أموال لأبناء بلاده وما أراقه من دمائهم… فإنني فكّرت فيما قد يقوله السيد الرئيس بشار الأسد إذا ما خرجت ملايين السوريين إلى ساحة من ساحات دمشق للتعبيرعن رفضهم لنظامه ومطالبتهم بتغييره. وبالمناسبة ليست لدينا “ساحة التحرير” لأننا لم نحرر في حياتنا شيئاً من أرضنا المحتلة أو لوائه السليب… وسألت نفسي: “ماذا سيقول الرئيس السوري في “موقعة الجمل” العربية المعاصرة؟” هذه

نعم، ماذا سيكتب له المستشارون والمستشارات؟ هذا ما يجب أن يكون شفافاً وواضحاً لكل السوريين، قبل أن يصل إلى قنوات التلفزيون، ونصبح “مسخرة” أمام العالم كله

هل سيحدثنا “الخطاب المحتمل” عن الأطنان من “حبوب الهلوسة” التي تناولها الشباب السوري، قبل الخروج للتظاهر؟

هل سيسمي خطاب البيت الأسدي ملايين السوريين الرافضين لنظامه الذي لابد من تفكيكه وتصفيته سياسياً بعد أن تأكّد الأطباء والعلماء والسياسيون السوريون من مختلف المهن والاختصاصات من موته الحضاري والسياسي، وضرورة نقل رفاته إلى موقع صحراوي بعيد عن المدنية السورية لدفنه مرّة وإلى الأبد، ب”الجرذان” وسيسمي مقابل ذلك “البلطجية” التي تركب جماله وبغاله وتهاجم الشعب المنتفض ب”الأسود العرب الشجعان”؟

هل سيطلب الأسد أيضاً من طياريه أن يقصفوا مستودعات المواد التموينية في البلاد، حتى يبقى الناس بلا غذاء وماء، مثلما فعل القذافي وأنجاله في ليبيا؟

أسئلة عديدة تطرح نفسها علينا نحن السوريين لأن سوريا لاتزال تتصدر لائحة الدول التي يتوقع المراقبون حدوث ثورة غضب شعبي فيها، فأوضاعها الاقتصادية مزرية والفساد ينهش الحياة العامة والملل يسود سائر الشرائح الكادحة، والقمع مستمر كما الاقصاء سمة من سمات هذا النظام الضيق الأفق

طبعاً ، مستشارو الأسد ومستشاراته، يعملون الآن لصياغة “خطاب وطني معتدل!!”، وهم يعلمون مثلنا بأنهم “قلقون وحائرون” وبأنهم أوّل من سينفض من حول السيد الأسد عندما تبدأ المعركة الكبرى بين الشعب وأعدائه وغاصبي ثرواته وحريته، وما كتبته السيد بثينة شعبان عن الثورات العربية المعاصرة يوحي بأنها عازمة على الهرب (أنظر مقالنا الأخير: من ينقذ الأسد في عزلته؟) والتبرؤ من النظام، فهي تكتب بشهية مفرطة عن الثورة ضد الفراعنة العرب دون أن تستثني أحداً منهم، لا في ألإريقيا ولا في آسيا، ولايعقل أنها نسيت حكام دمشق الذين تخدمهم كمستشارة سياسية لرأسهم الأسدي.

هذا الخطاب الوطني المعتدل إن كان نسخة رديئة من خطب الهارب بن علي واللامبارك ومدمّر ليبيا، فلن ينفع السيد الرئيس، كما لاتنفع الخطب الزعماء المخلوعين ومن على دربهم الآن، وهو خطاب هام وضروري لأنه سيحدد مصير ومستقبل سوريا، ولكنه في الوقت ذاته لن يغيّر من طبيعة النظام وسلوكياته، مالم يقتنع السيد الرئيس نفسه بأنه مقدم على القاء خطاب تاريخي أمام الشعب السوري وأمام العالم أجمع. أما إذا اعتبر خطابه مجرّد فذلكة وقتية عابرة لتطييب خواطر الشباب السوريين وافزاع الضعفاء منهم وتقوية أفئدة “البلطجية” المفترض فيهم الدفاع عن نظامه، فإن الخطاب في مثل هذه الحال سيكون بمثابة قوس “البومارانغ” الذي يرتد على صاحبه ويصيبه بأذى

وفي الحقيقة كلما فكرت في صياغة خطاب كهذا، ونظرت إليه بعيون الشباب السوري المنتفض أو الرافض للسياسة الأسدية اجمالاً، أو بعيون المعارضين السوريين، الوطنيين والديموقراطيين، الذين ينظرون كيف يسقط الأسد لينهشوا مراكزه ومواقعه كما تنهش العقبان الضواري النافقة، وكذلك بعيون المراقبين المحايدين في شتى أنحاء العالم، فإنني أجد صعوبة في الابتداء بديباجية ملائمة لهكذا خطاب، فكيف بالدخول في صلب الموضوع؟

وهنا أتذكر خطاب الحجاج الثقفي الشهير:”إني لأرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها

طبعاً، لايمكن للأسد الذي درس في بريطانيا وتزوج سورية – بريطانية، وقد يضطر للذهاب إلى هناك للعيش فيها كرئيس منفي، أن يقول هكذا كلام، في هكذا وقت. فكل التهديدات القذافية راحت هباءً منثوراً، رغم استخدامه خطابا تهديدياً قاسياً

إن القاء التهم على تحريك “جرذان” الشارع السوري بحبوب الهلوسة، أو بعد تجنيدهم في تنظيمات متطرّفة دينياً، أو على أثر استلامهم حقائب من الدولارات واليورو من الدول “الامبريالية”، أو بدفع من “مكتب استخباراتي أمريكي في تل أبيب!” كما زعم حجر الصوان اليمني، عندما فشل في اقناع شعبه، هذا كله لن ينفع الأسد مثلما لم ينفع من سبقه في السقوط والتنحي والهرب، ومن لايزال ينتظر مخرجاً “مشرّفاً أو غير مشرّف” ينفذ عبره من مأزقه الأخير. والخطاب المأمول يجب أن يراعي هذه الناحية فلا ينزلق إلى تكتيكات قذافية صبيانية سخيفة، جعلت الاعلام يهزأ منه

الدعوة في خطاب الأسد المحتمل إلى “الحوار الوطني” ستكون “مسخرة كبرى” لأن الشعب طلب هذا الحوار باستمرار فرفضه النظام باستمرار…ولا أحد يصدّق أن نظاماً كهذا قادر حقاً على الوفاء بالتزاماته التي يعرضها على الشعب في محنته، وإن طالب الأسد بالحوار فسيفهم الشعب أنه يطلب ذلك من “نقطة ضعف” فيزداد جرأة على منازلته

بالتأكيد سيلجأ كاتبو وكاتبات خطاب الرئيس، عندما لايدرون كيف يصيغون الرسالة الرئاسية للشعب، إلى الأسلوب الاستهلاكي الكلاسيكي القديم في شرقنا، فيتهمون المعارضين السوريين ب”الخيانة”، وباثارة “الفتنة الطائفية” و”ضرب الوحدة الوطنية” و”بيع البلاد” للمستمعرين وسيكتبون بأن “اسرائيل الأولى” أو “اسرائيل الثانية!” وراء كل هذا الحراك الشارعي في سوريا الأسد، بل وفي العالم العربي، وهناك خيوط “مؤامرة دولية” تشارك فيها “الامبريالية العالمية والصهيونية وعملاؤهما في المنطقة” تنظيمات “القاعدة” المتطرّفة وعلماء من وزن “يوسف القرضاوي” واسلاميين من أمثال الشيخ “راشد الغنوشي”، بل وحملة جائزة نوبل للسلام العالمي مثل “محمد البرادعي” وحقوقيين بارزين من أمثال ” هيثم المالح” وناشطين في حقوق الإنسان على الصعيدين العربي والعالمي ك”هيثم المنّاع”، بل ومنتسبين لمختلف تيارات المعارضة العربية والسورية، وهؤلاء الكورد كشيخهم “الخزنوي” وساساتهم المخضرمين المعتقلين من أمثال “مصطفى جمعة وحسن صالح” وإخوتهما الآخرين، وذلك من أجل المضي قدماً في مشروع “الشرق الأوسط الكبير” للرئيس الأمريكي السابق، الطائش جورج بوش الابن، مستخدمين عوضاً عن الصواريخ والقنابل صفحات الفيس بووك واليوتوب، تحت إشراف “الإسلامي الراديكالي” باراك حسين أوباما” الذي يلعب بمصائر الشعوب والأوطان كما يلعب الصغار بالبلاي ستيشن…و…و… ولابد من أجل ذلك ابتداع قصة شيّقة عن آنسات عاملات منذ سن المراهقة مثل “طل الملوحي” في سلك المخابرات الأمريكية، وسواها من اليهوديات السويديات من أصل عربي – اسرائيلي، بهدف القيام باسقاط الأنظمة العربية الرافضة للاحتلال والاستعمار والديموقراطية وحقوق الإنسان والمشجّعة على الإرهاب والفساد وتحطيم الكرامة العربية، والناهبة لأموال الشعب مليارات ومليارات لأن هدفها السامي هو تحقيق عدالة الذئاب وتغيير العقل البشري إلى عقل الحمير التي تعمل طوال الحياة لغيرها… فالحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان ليست إلاّ أسلحة اسرائيلية – أوروبية، فاتيكانية – صهيونية، والشعوب التي تنخدع بها ليست إلا حشوداً من الجراذين وأرتالاً من مدمني حبوب “الهلوسة”

ولكن، قد يقول قائل عندما يسمع هكذا خطاب رئاسي، فإن كانت اسرائيل ومن وراءها مهتمة فعلاً باسقاط أنظمة ديموقراطية عوضاً عن أنظمة قمعية فاسدة في المنطقة، فلماذا نعاديها إلى هذه الدرجة؟ أم أن مصلحتها بقاء أنظمة “الهلوسة” إلى الأبد من حولها…؟

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s