استنجاد الأسد بالمسجد الأموي لاينفع ولابد من التغيير الشامل

جان كورد، ‏16‏ شباط‏، 2011

في ذكرى المولد النبوي الشريف، ظهر الرئيس الأسد بعربته التي كان يقودها بنفسه وبثيابه الجميلة كرجل دولة مؤمن لايغيب عن هكذا مناسبات مليئة بالمشاعر لدى غالبية الرعية في بلاده، وبدا وكأنه فاجأ الجميع، وبخاصة قناة “السورية” التي اهتمت بزيارته للمسجد الأموي اهتماماً كبيراً، وراح مذيعها الذي كان يعلّق على المشاهد المختارة بدقة وعناية يصف السيد الرئيس ب”العظيم”، ويا لها من مشاهد

علماء المسلمين، غير المسجونين وغير الهاربين من سطوة النظام حتى الآن، يركضون خلفه وبجواره مبتسمين وراضين عن زيارته لهم، في ذلك اليوم الكريم، وهو متجه وسط حشد من رجال أمنه الشخصي، بعد مغادرة المسجد إلى عربته التي هي أجمل حقاً من عربة زميله وصديقه الرئيس الايراني، والجماهير المحشودة كرهاً أو طوعاً هناك تهتف بحياته وتردد شعارات عربية كلاسيكية عفا عليها الزمن، يطلقها أتباع وأشياع مدرّبون وملتزمون بقواعد الترحاب والتظاهر والتوديع، نسمعها في كل العواصم العربية التي لايزال الدكتاتوريون والمستبدون يحكمونها مثل “بالروح بالدم نفديك يا بشار!” و “ألله سوريا بشار…”، وفي الحقيقة لو أطلقت رصاصة واحدة في الهواء آنذاك لهرب الحشد كله وتفرّق كالدجاج المذعور… ونساء ذوات أطفال ومشاكل مع السلطات يبكين متوسلات الرئيس الأسد أن يفرج عنهن كربهن، كإطلاق سراح ولد أو أخ أو زوج من السجن، أو الرجاء بكف أذى موظفين عنها وعن عائلتها، ويقبلّن يد السلطان التي يمدها من نافذة عربته…وكأنه حقيقة أحد ملوك بني أمية، بفارق أنهم كانوا يركبون الخيل وينثرون الدنانير على الجموع الحاشدة، ومن أين للأسد أن يركب حصاناً دون العربة المدرعة في عصر المنتحرين والمنتحرات أو يأتي بالدنانير لينثرها على شعبه، فقد اختطفها أقرباؤه وأخفوها في البنوك الأوروبية ولم يتركوا له ولشعبه سوى الفتات

فماذا أراد السيد الرئيس بزيارته للمسجد الأموي في ذكرى المولد النبوي الشريف؟

فإن قلنا بأنه وفاءٌ للنبي محمد (صلعم) فهذا غير صحيح لأنه يقبض على كل من يدعو لتطبيق شرع النبي محمد (صلعم) في سياسة البلاد ويزج به في المعتقلات الرهيبة، بل هناك قانون خاص يحكم بالاعدام على كل من ينتمي إلى شريحة من شرائح المجتمع السوري لمجرّد أن هذه الشريحة ترفض أي شرع آخر سوى الشرع الرباني الذي دعا إليه النبي (صلعم)… وإن كان هذا صحيحاً فلماذا يرفض السيد الرئيس دعوة الأستاذ عصام العطار، الإسلامي الشهير والوطني العريق، إلى التعاون بين النظام والمعارضة في سبيل الاصلاح لوأد الخلافات وانقاذ البلاد من العواصف

أما إذا قلنا بأن السيد الرئيس قد حضر مراسيم الذكرى العزيزة على قلوب المسلمين، وفاءً للبيت الأموي، فلماذا يسمح لأصدقاء وأتباع أصدقائه من الشيعة أن يسبوا ويشتموا البيت الأموي صباح مساء، بل يوسّع من دائرة نفوذهم في دمشق وما حولها ويفتح الأبواب لتشييع البلاد السورية، والتشييع يعني في أبجدياته: كره بني أمية وانكار مجدهم العربي – الإسلامي التليد والانقلاب عليهم والتشييد بالفتك بهم وبمن والاهم

أما إذا قلنا بأنه يفعل ذلك لأسباب سياسية ديماغوجية بحتة، فلننظر لماذا؟

-العالم الحر الديموقراطي يرى ويسمع كيف تسير النار في هشيم الاستبداد العربي، وكيف تتعاظم الصحوة الإسلامية في الشرق الأوسط، وتقترب رموزها من الشارع المكافح من أجل نيل الحرية وبناء المجتمعات الديموقراطية وصون حقوق الإنسان، وهذا العالم في نظرته لايزال متخوّفاً من أن تنقلب ثورات الشرق الأوسط إلى محطات مؤقتة وعتبة أولى على طريق تحقيق أو إيجاد أنظمة إسلامية، لذلك فإن هذا العالم في الوقت الذي يؤيّد ثورات الشعوب من أجل الحرية وخلع الدكتاتوريات العسكرية والطائفية والعائلية، فإنه ينصح رجاله في المنطقة بالظهور بمظهر الناس المؤمنين الذين لايعادون الشرع الإسلامي، ويتوددون إلى بعض العلماء والملالي الذين ليست لهم برامج سياسية، لخداع الشارع المسلم في غالبيته وللايهام بأنهم ليسوا أعداءً للدين، وقد تكون زيارة الأسد في هذا اليوم بالذات إلى المسجد الأموي بطلب من ناصحيه في العالم الحر الديموقراطي أو من مرشديه ومستشاريه ومستشاراته العاملين والعاملات على تلمييع صورة السيد الأسد من كل الجوانب…كما يقوم بعض عقلاء اليهود في واشنطن بتلمييع صورته هناك على أنه البديل الحالي للإسلاميين، و”عصفور في اليد أحسن من عشرة على الشجرة”

-الرئيس الأسد يدرك بأن العاصفة التي تمكنت من اقتلاع نظام الهارب بن علي في تونس والفرعون المصري العجوز اللامبارك، ستقتلعه أيضاً، على الرغم من امتلاكهما لقوى أمنية وعسكرية أقوى مما يملك هو بكثير، وعلى الرغم من أنهما كانا يتمتعان برعاية وصداقة في العالم الغربي وفي اسرائيل أكثر منه، كما يدرك بأن حليفه الوحيد في المنطقة (ايران) غارق في مشاكله الآن وشوارع طهران وسائر المدن الأخرى صارت تغلي كشوارع القاهرة وسواها من المدن المصرية. لذا فإن عليه القيام بحركات بهلوانية استعراضية إعلامية كالظهور بمظهرالمهتم بشؤون الشعب، أوالاستعداد للتعامل المباشر مع اسرائيل والتخلي عن المطالبة بكل هضبة الجولان المحتل والذهاب إلى كامب ديفيد جديد بحكم الضرورة، وكذلك الظهور بالصورة المعاكسة تماماً، ألا وهي صورة الرئيس الحليم الذي هو “علوي الطائفة” شكلاً  و”أموي المذهب” فعلاً… فإن كان حقيقة مستعد لتلبية مطالب الشعب الذي لن يقبّل يديه كتلك السيدات اللواتي قبلن يده أمام شاشة “السورية” المرافقة لموكبه البهي، فليصدر مراسيم تشريعية كما أصدر مؤخراً حفنة منها في شؤون اقتصادية وجمركية، كأن يأمر باطلاق سراح كل السجناء السياسيين والاعلان عن حرية تشكيل الأحزاب والجمعيات وليفتح الباب دون محاسبات ومراجعات أمنية لكل المعارضين بلا استثناءات للعودة إلأى الوطن، دون المرور من زابوق “جمعية المغتربين” المستخدمة كعصا وكجزرة في أيدي النظام خارج البلاد، بل كصمام أمان لمعارضة المظاهرات والاحتجاجات، وليلغي العديد من القوانين التي فرقت بين المواطن والمواطن وأقصت شرائح بكاملها، وبخاصة تلك القوانين والاجراءات الاستثنائية العنصرية بحق الشعب الكردي في البلاد

-إن طلعته الرائعة، المدروسة بدقة استخبارتية ذكية، في ذلك اليوم الهام من أيام المسلمين، وفي ذلك الحشد المحشود من النساء والشباب، دون حارس واحد بلباس عسكري أو دون رفقة شرطي واحد كما ظهر، في حين أن بصمات أصابع المخابرات بمختلف فروعها كانت واضحة لاتخطئها عين الإنسان السوري، لم تكن إلاّ من باب التمرين على الظهور في مناسبات أخرى مستقبلية لايهام العالم الخارجي بأن الرئيس الأسد مستقر في نظامه العائلي، وللتأكد من ذلك فما على السيد الرئيس، إن كان مستقراً على صهوة جواده ومطمئناً لمودة ومساندة شعبه فعلاً، أن يفسح المجال لسباق حقيقي يشاركه فيه منافسوه ومعارضوه أيضاً… ولكن لا العالم الخارجي ولا الشعب السوري ينخدعان بهكذا استعراضات، حتى ولو كانت على شكل مشاركة في ذكرى المولد النبوي الشريف… ولايخدع بها نفسه سوى “البلطجية التابعة” والمتملقون والمنتفعون من بقاء النظام، وطابور من العملاء وأجراء المخابرات السورية المنتشرون في شتى أنحاء البلاد والمهاجر، وفي صفوف المعارضة أيضاً مع الأسف

فالتغيير قادم والعاصفة ستمرّ عبر سوريا وتقتلع المستبدين فيها أيضاً

وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب سينقلبون

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s