خارطة طريق للمعارضة السورية

جان كورد، ‏07‏ شباط‏، 2011

إن من يقرأ المقابلة الطويلة للسيد الرئيس بشار الأسد مع وول ستريت جورنال مؤخراً (31/1/2011)، لا بد وأن يلاحظ مدى التبسيط السياسي الذي يحاول تسويقه عالمياً رأس النظام السوري لما يجري في سوريا وما حولها، في عهد “العاصفة الكبرى” الآن

وإذا كان بالامكان الاستهتار من قبله بهذا المستوى التعيس بعقول السوريين المحرومين من حرية ابداء الرأي واشهار النقد، فإنه لايستطيع ذلك مع قراء صحيفة مثل وول ستريت جورنال، وهم في معظمهم مثقفون وخبراء ماليون واقتصاديون ومطلعون على ما يجري في العالم، لأن أعمالهم وتجارتهم وأسواقهم المالية لم تعد متعلقة بالاقتصاد والسياسة الوطنية الأمريكية فحسب، بل إنها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالسوق العالمية والسياسة الدولية، ولذا فإنهم يعلمون عن سوريا وما حولها من عالم شرق أوسطي بشكل أفضل من سيادة الرئيس السوري، الذي أستغرب حقاً لما يملكه من سلاسة في القول مع تشعب في الأفكار المتناقضة وتهرّب من قول الحقائق وانزلاق إلى مستوىً بسيط جداً في التحليل والمقاربات والتشبيهات والاستنتاجات السياسية…. ومن أشد ما يثير الضحك هو قوله الصريح بأن نظامه يقتل “الارهابيين” منذ ستينات القرن الماضي، وقصده منذ استيلاء البعث على الحكم، والمقصود بذلك خصومه السياسيون الأشداء ومعارضوه في البلاد من “الإخوان المسلمين” وسواهم… إذ يقول:” هل تتحدث عن محاربة التطرف؟ إننا نقاتل الإرهاب منذ الخمسينات والستينات والسبعينات والثمانينات وقد حدثت مواجهة عنيفة معهم بينما كان رونالد ريغان يصغهم بالمقاتلين المقدسين, ولكننا كنا نتحدث عنهم كإرهابيين. وهكذا فإنني الشخص صاحب المصلحة هنا.”فهو يبسط المسألة هنا بصورة عجيبة، وكأنه يقول للأمريكان ومن معهم من إسرائيليين وأوروبيين:”أنا القاتل المحترف الذي تريدونه، فلا تدعوني أسقط!”

السوريون يعلمون أن هذا القول يضر به كرئيس وبسوريا والسوريين أكثر مما ينفع، ويثبت إلى أي درجة ازدادت مخاوف هذا الرئيس الذي لايملك أي ورقة لعب أخرى يستخدمها ك”جوكر” في اللعبة الخطيرة التي تحدث على ساحة الشرق الأوسط

ولايمكن إغفال ما يقع فيه من تناقض جوهري لدى حديثه عن الديموقراطية، إذ يقول:” إذا كنت تريد تطبيق الديمقراطية, فإن أول أمر هو إشراك الشعب في عملية صنع القرار, و ليس صنعه تماما. إنها ليست ديمقراطية لي كشخص إنها ديمقراطية مجتمع. كيف يمكن أن تبدأ؟ إن عليك أن تبدأ بخلق الحوار. كيف يمكن أن تخلق الحوار؟ لم يكن لدينا إعلام خاص في الماضي؛ و لم يكن لدينا إنترنت أو جامعات خاصة , كما لم يكن لدينا بنوك. كل شيء كان يسيطر عليه من قبل الدولة. لا يمكنك أن تخلق الديمقراطية التي تسأل عنها بهذه الطريقة. إن لديك طرقا مختلفة من أجل خلق الديمقراطية.” (نص الترجمة العربية مأخوذ من موقع مركز الشرق العربي)

ولاحاجة للدخول في نقاش معه حول ما أورده هنا، فكما يقول العامة من السوريين (كلم كلم لاينفع) بل سؤاله عمن هو المسؤول في أن “كل شيئ كان يسيطر عليه من قبل الدولة؟” وهل تم تحرير ما يتم بناء الديموقراطية عليه من أيدي الاستبداد الحكومي، واقطاعية الدولة التي يترأس هو أهم منصب فيها؟

السيد الرئيس قادر على فرز هذه الأطروحات وعلى إظهار ظنه بأنه قادر على اللعب بعواطف الدوائر الاقتصادية العالمية وكسب قلوب أولئك الذين يحسبون حساباتهم بدقة سياسية وبعد دراسات طويلة، وذلك لأن المعارضة السياسية السورية غير قادرة -حتى الآن- على تقديم نفسها كبديل قوي ومقنع لهكذا نظام يركض بين “الرياض” و “طهران” بالسرعة ذاتها وفي الوقت ذاته، كما يستطيع دعم “الارهاب” وتغذيته في ذات المساحة التي يقدّم فيها خدماته لدوائر الاستخبارات الدولية التي تحارب ذلك “الارهاب”

النظام الأسدي منذ أن قاد الرئيس الراحل حافظ الأسد “الحركة التصحيحية” في عام 1970 يقدّم نفسه كجندي متواضع في طلبه في الخندق الأوّل للدول الكبرى في مواجهة مخاوفها من وصول “الإسلاميين” إلى الحكم في البلاد السورية. فالشيوعية العالمية كانت تدعمه لأنها كانت تجد في “الإسلام” و “الإسلاميين” منافساً آيديولوجياً رئيسياً لها في الشرق الأوسط، بل إن هذا المنافس الذي كانت له علاقات جيدة، كما في الخليج الذي يتدفق منه البترول وفي أفغانستان المحاربة للنفوذ الشيوعي مع “الامبريالية العالمية”آنذاك، يفرض على الشيوعيين دعم أنظمة استبدادية كنظام حافظ الأسد لكسر الحاجز الإسلامي أمامهم، ومنذ رحيل السفينة الشيوعية وتحطمها في البحور الامبريالية، فإن النظام الاستبدادي السوري الذي هدده النيوكون الجمهوري في عهد جورج بوش الابن باحتمال جلده، قد انقلب لفترة دامت مع الأسف حتى اليوم إلى عنصر “أمن واستقرار” لاسرائيل التي يعتبر أمنها واستقرارها جزءاً أساسياً من الاستراتيجية الأمريكية – الأوروبية في المنطقة. وبسبب ذلك تم استبعاد التعامل مع المعارضة السورية، حتى التيار الديموقراطي منها، كبديل لهذا النظام الذي يعتبر فعلاً تهديداً مباشراً لاسرائيل إن استمر في علاقاته مع ايران التي يعلن رئيسها بصراحة تامة عزمه على محوها من خارطة الشرق الأوسط، وهذا النظام الذي يدوس دون تردد سائر القيم التي يرى الأوربيون والأمريكان أنفسهم حماة لها، ومنها الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان والسلام العالمي

وهذا هو سر بقاء النظام رغم كل عنجهياته وخروقاته لحقوق الإنسان واستبداده وتدلله وسياساته المتأرجحة بين الغرب وبين أعداء الغرب في الوقت ذاته

ولكن ما جرى في تونس ويجري في مصر واليمن والأردن، قد يؤدي إلى انتقال “جرثومة الحرية”  بسرعة إلى العديد من الدول العربية، ومنها العراق وسوريا، وقد تنتقل هذه الجرثومة الصالحة والمفيدة للبشرية إلى أعماق أفريقيا أيضاً… ولم يعد الشرق الأوسط كما كان عليه قبل اقدام الشاب التونسي “بو عزيزي” على الانتحار حرقاً، فهو شرق أوسط جديد، ربما كان يحلم بتحقيقه المحافظون الأمريكان عن طريق الحرب وفرض نظامهم العالمي الجديد بالقوة

في هذا الجو الساخن، حيث يجلس الشباب من كل المشارب الفكرية، الدينية والسياسية، بين عجلات الدبابات ويشربون الكوكا كولا، وهم مصممون على اسقاط دكتاتور بلادهم كما هو الحال في مصر الواقعة في وسط المحيط العربي، لابد من إيجاد حوار بين الشرق أوسطيين جميعاً وبين عالم الحرية والديموقراطية، كما كنا ندعو إليه منذ سقوط دولة الصنم العراقي، بل قبل ذلك بسنوات، وبخاصة فإن علماء المسلمين الذين كان الدكتاتوريون يستندون على فتاويهم لرفض أي تعامل مع “العامل الخارجي”، قد باركوا الانتفاضات الشعبية أو شاركوا فيها، وطالبوا (كما فعل الشيخ يوسف القرضاوي المعروف بهجومه اللاذع على الغرب) بأن يقف العالم الخارجي (أمريكا وأوروبا والأمم المتحدة) مع الشعب المصري ضد الطغيان، أي أنه لم يعد يعتبر الاستعانة بالعامل الخارجي على “ابن البلد” الدكتاتوري حراماً… وبذلك ينفتح باب جديد في دجى الليل الطويل، حيث يمكن للتيار الإسلامي الأشد تحفظاً في هذا المجال أن يختار بين الحوار مع الغرب المسيحي –  اليهودي وبين العلاقة مع التطرّف الديني الرافض لمثل هذا الحوار

وحقيقة دون تفعيل “العامل الخارجي” الذي هو السبب الأبرز في بقاء هذه الأنظمة المتكلسة لايمكن إزاحتها أبداً، وكما يبدو فإن العالم الحر الديموقراطي لم يعد متحمساً للابقاء على هذه النماذج الكارتونية المضرّة به، من أمثال زين العابدين بن علي وحسني مبارك وبشار الأسد والرئيس اليمني وسواهم، والتصريحات المتتالية لزعماء الغرب بصدد ما يجري في مصر تثبت أن الغرب أيضاً باحث عن حوار مع الشرق الأوسط الجديد الذي يتأسس على قواعد وبنى سياسية – ثقافية لم يشهدها من قبل

وهنا يجب على المعارضة السورية الديموقراطية والوطنية أن تضع لنفسها خارطة طريق، وأن تؤسس لنفسها “جمعية وطنية للتغيير” وأن تجهز نفسها وتستعد لقيادة “ثورة ياسمينية” أو “ثورة الخبز والحرية” أو “الثورة الشامية” عن طريق

– عقد اجتماعات دورية لممثلي فصائل هذه المعارضة بمختلف جيوبها الفكرية واتجاهاتها السياسية، سواءً في الداخل أو الخارج ومناقشة كيفية وضع “خارطة طريق” مشتركة لنفسها، دون الخوض في غمار البرامج السياسية أو التعلق بأحلام حزبية والانشغال بالتناحرات والخصومات والسياسات الجانبية غير الرئيسية في مسار العمل المعارض للنظام

– الاهتمام الفائق بالاعلام على الصعيد الخارجي، حيث الكبت التام للحريات في الداخل السوري، وذلك بهدف التواصل المستمر مع العالم الذي يريد سماع أصوات غير صوت النظام المرتبك والقلق والمذعور. وبهدف التأكيد المتواصل للجماهير السورية بمختلف فئاتها ومكوناتها الاثنية والدينية والمذهبية والطائفية أن البديل للنظام هو نظام سوري جديد متلائم مع روح العصر، ومحتفظ في الوقت ذاته بعقائده وتعايش أبنائه وبناته على أساس منح كل ذي حقه في ظل دستور يضمن الحريات الأساسية ومنها حرية العقيدة وحماية الثقافات القومية وبناء الادارة اللامركزية ورفض العنف ونبذ الإرهاب والسعي المتواصل لانقاذ البلاد من شرنقة التخلف الاقتصادي الذي أرغم النظام الشمولي الفاشل الشعب السوري على الدخول فيها منذ استيلائه على السلطة في عام 1963

– القيام بفعاليات ونشاطات مختلفة في سائر بلدان العالم الحر الديموقراطي وحيث يمكن القيام بذلك، لكي لايفقد شعبنا السوري ثقته تماماً في المعارضة التي أضطرت رمزها وكوادرها للانتشار في العالم الخارجي تحت ضغط الارهاب السياسي في الداخل السوري. ويجب تثبيت وتصوير ونشر هذه الفعاليات بلغات مختلفة على العالم كله، وحتى يشعر النظام بأنه غير قادر على كبت صوت الشعب السوري مهما كانت قواه البوليسية قوية وكانت شبكاته العنكوبتية واسعة

– افساح المجال الواسع أمام السباب الذي هو عنصر الثورة وأداة التغيير في سائر فصائل المعارضة وليأخذوا دورهم اللائق بهم، وتحويل العجائز في القيادات إلى مجلس شورى عام للمعارضة للاستفادة من خبراتهم وعقولهم، أم أنهم مثل حسني مبارك لن يخلوا مناصبهم للأجيال الشابة؟

ولا يجوز أن نرفض أي مداخلة جادة في هذا المجال لتطوير وتعميق الحوار دون أدلجة وتحزّب واضاعة للوقت بمعارك جانبية تفيد النظام وتضر بوحدة المعارضة السورية

وهنا أود الهمس في آذان قياداتنا الكردية، ونحن نقترب من الذكرى السابعة لانتفاضة آذار المجيدة، وبخاصة تلك القيادات التي جلست مع رئيس المخابرات السورية مؤخراً وأقول لها من منطلق الأخوة في القومية:” لايلدغ المؤمن من جحر مرتين“… فالنظام الذي يراوغ من جديد ليس مستعداً حتى للافراج عن رفاقكم الكورد المعتقلين، بل يقدمهم لمحاكمات ويعرضهم لاهانات

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s