المأزق الجاد للتغيير في سوريا

جان كورد :
جان كورد إن تسارع الحوادث الجسام في المنطقة يجبر المرء على ابداء الرأي،على الرغم من صحة الحكمة العريقة التي تقول:إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب

وبالمناسبة، لقد فهمني بعض الإخوة خطأً عندما قلت قبل نهاية العام الماضي بأنني لن أكتب في العام الجديد، فهم لم يلاحظوا وجود كلمة “بكثافة” في قولي ذاك، فظنوا بأنني توقفت نهائياً عن الكتابة…
هناك عقبات كبيرة أمام التغيير الجاد في سوريا، وعلينا الاعتراف بوجودها وعدم اللف حولها، وكما يقول المثل الكردي الشهير “رم د جوالان ده ناين فشارتن – لا يمكن اخفاء الرماح في الأكياس”… والأوضاع في منطقتنا وفي بلادنا أيضاً تتطلب منا جميعاً أن نزداد اقتراباً من بعضنا بعضاً ومن قضايانا الكبرى لنجد قاعدة مشتركة  فيما بيننا صوب عمل وطني فيه الخير لشعبنا بأسره…
النظام السوري يدرك والمعارضة تدرك وكذلك العالم الخارجي أيضاً، بأن “يقظة الشعوب العربية” قد حدثت ولن يتمكن أي نظام مهما كان مستبداً من اعادة  عجلة التاريخ إلى الوراء بعد حدوث هذه اليقظة الرائعة… والشمس التي أشرقت على شمال أفريقيا ترمي بأشعتها الدافئة على ما حولها، ولابد أن تتأثر بها سوريا عميقاً مثلما تأثر بها غيره، ولذا فإن الجميع يتوقّع أن يهب الشعب السوري مثلما هب الشعب المصري ولا يزال في حالة ثورية تذكرنا بحالة ايران قبيل رحيل الشاه. وهنا نجد أنفسنا في مأزق جاد… وأعني مأزق المعارضة العاملة من أجل التغيير حقاً. ومن سمات هذا المأزق:
أولاً – على الرغم من أن العالم الحر الديموقراطي لايريد مزيداً من “وجع الرأس” مع كل هؤلاء الدكتاتوريين الذين يضرون به وبسمعته، ويرى أن من مصلحته قيام أنظمة أشد اهتماماً بمسائل الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان، إلاّ أنه يفضل بقاء دكتاتوريين عسكريين أو أمراء حرب أو تجار سياسة مبتذلة في الحكم خاضعين لاستراتجياته على من لايسير خلفه ولايأتمر بأمره أو يظهر له العداء، ولذا فإنه يسعى ويجهد لابقاء نماذج كهذه النماذج العربية الحاكمة في العالم العربي بقوة الحديد والنار، مهلة أطول –قدر المستطاع- حتى يجد الفرصة المناسبة لتنصيب من تراه ملائماً لمصالحها مستقبلاً. وهذا مأزق بحد ذاته للمعارضة الساعية للتغيير، إذ بدون مساعدة العالم الخارجي معنوياً يتحول حراك التغيير السلمي إلى عملية جراحية ثورية تحتاج البلاد بعدها إلى زمن طويل لتحقيق الاستقرار وتنفيذ الأهداف التي قام من أجلها النضال الديموقراطي السلمي، وقد يؤدي ذلك إلى حدوث الفوضى وسفك الدماء والاضطرابات، بل حدوث حرب أهلية أيضاً في أسوأ الحالات.
ثانياً- الضعف الذي عليه التنظيمات المعارضة داخل البلاد قد يؤدي إلى الدخول في مأزق خطير، يخضع فيه الشارع الشعبي إلى سيطرة حماس الشعارات الحادة، وعدم قدرة المعارضة على تنظيم الحراك الجماهيري، ومنع الصدامات الدموية بين الشعب والجيش أو القوات الأمنية المختلفة، وعدم تمكنها من حماية الممتلكات العامة والخاصة  ودماء المواطنين وأعراضهم، وقد يؤدي ضعف التنظيم المعارض إلى أن تتمكن القوات الأمنية أو المرتزقة التي يزجها النظام في صراعه الأخير من نشر الرعب والانتقام الواسع من المعارضين الأساسيين وارهاب المواطنين في محاولة منه لاعاقة الحركة الجماهيرية المنتفضة في وجهه، ولو إلى حين.
ثالثاً- عدم اتفاق الأطراف المعارضة حتى اليوم على أساس للعمل المشترك، وعدم وجود برنامج عمل يحدد الخطوات المتتالية للمعركة الوطنية في مرحلة تحريك الشارع الوطني وفيما بعد المرحلة الأولى من الدخول في الصراع العملي ضد النظام.  وهنا  يستغل النظام الفرصة لاحتواء الانتفاضات والحراك الجماهيري القوي من خلال الاعلان عن “إصلاحات سياسية” أو “تغيير في البنى الحاكمة غير الاساسية” أو”التراجع  التكتيكي” أو”الاستعانة بقوى أجنبية ومرتزقة” لاخماد النار الناشبة في البيت. وها هو الرئيس المصري المكروه شعبياً حسني مبارك يقوم بعملية تجميلية لنظامه دون مساس بجوهره القائم على الاستبداد

رابعاً- إهمال بعض أطراف المعارضة لكتل معينة في الحركة المعارضة، ومثالنا على ذلك هو خلو برنامج جهات معارضة “ديموقراطية!” سورية من أي تلميح إلى حل عادل لقضية الشعب الكردي في البلاد، وكأن هذه القضية غير موجودة أصلاً، في حين أن البرنامج ذاته يتعرّض لمشكلة “الطائفة العلوية” في حال سقوط النظام الذي يبدو كنظام علوي بالدرجة الأولى… وهذا يذكرنا بخلو برامج “الاسلاميين” من ذات القضية، أثناء صدامهم مع النظام في أوخر سبعينات وبدايات الثمانينات من القرن الماضي، بحيث تمكن النظام من جذب الأحزاب الكوردية “دون استثناء” إلى  طرفه، أو إلى اتخاذ موقف محايد على الأقل في ذلك الصراع، وهذا ما عاد بالخسران على “الاسلاميين” قبل غيرهم…. كما نجد أطرافاً معارضة ترفض العمل نهائياً مع الأقليات على أساس الاعتراف الصارخ والواضح بوجودها الديني أو الطائفي، بل ترى البلاد مصبوغة بلون واحد وليس بألوان مختلفة… وهنا مطلوب من الجميع بذل المزيد من الجهد للتغلّب على عقلية “القومية الكبرى السائدة” و”المذهب السائد”…
خامساً – صعوبة جذب الجيش إلى صف المعارضة لأنه جيش “عقائدي!” بعثي، معظم قياداته الهامة مرتبطة بشكل أو بآخر بالعصبة الحاكمة، وعلى الرغم من أن النظام لن يستطيع كما في ثمانينات القرن الماضي زج الجيش بذلك الشكل الدموي ضد الشعب السوري، إلاّ أنه قادر على الاستعانة بقوات مرتزقة من خارج البلاد، تقوم بالتنسيق مع أجهزة الأمن المختلفة العاملة تحت قيادته بتسديد ضربات قوية بالكادر الأساسي للمعارضة السورية بهدف شل الحراك الجماهيري أو تأخير ميلاد التغيير قدر الامكان.
سادساً- الوضع الاقتصادي السيء للغاية للجماهير الشعبية التي يصعب عليها الاستمرار طويلاً في النشاطات اليومية العملية دون وجود معين لها ولعوائلها وأطفالها خاصة، والمعارضة أضعف من أن تصبح معيلاً لها… فأين برنامج المعارضة في هذا المجال؟
سابعاً- عدم وجود اعلام معارض قوي في البلاد، وهذا يجعل المعارضة في حاجة إلى إعلام رصين ونزيه من خارج البلاد، قد يمنع النظام تواجده على ساحة الصراع السياسي الداخلي، وقد يلجأ النظام إلى منع كل أشكال الاتصالات الالكترونية لقطع العلاقة بين الشعب والعالم الخارجي…
ثامناً- لاتزال هناك فصائل وطنية تعتبر نفسها جزءاً من المعارضة نظرياً، ولكنها من الناحية العملية خاضعة لفلسفة النظام ومتأثرة بدعاياته وعاملة حسب ايحاءاته، وهذا مأزق آخر للمعارضة الجادة والحقيقية…
وتبقى مشكلة كبرى، أو مأزق هام  للمعارضة، ألا وهو وجود طابور خامس كبير وطويل، يردد دعايات النظام على مختلف الأصعدة، وينفث الوهن  في صفوف المعارضة، وينشر المخاوف باستمرار، فيجعل من النظام عملاقاً لايقهر، ومن أجهزته القمعية قوة قاصمة للظهر، في حين يرى أن لاوجود لمعارضة سورية، ولا وجود لقادة معارضة وشخصيات كاريزمية، وما إلى ذلك من رياح سامة… وأهم ما في ضجيج هذا الطابور هو أن سوريا ليست تونس ومصر، فسوريا دولة موزاييك ديني وقومي وطائفي، وكل يسعى لحماية نفسه من ضربات النظام، فلايمكن تحريك الشعب السوري عامة… وأتعس هؤلاء هم الذين بأن على الكورد عدم السير إلا في آخر الصفوف المعارضة، وهم في الحقيقة لايريدون للكورد أن يصبحوا “معارضة حقيقية” أبداً… ومع الأسف هذا الموقف يتبناه مسؤولون كبار في قيادات الحركة السياسية الكردية في الداخل والخارج.

كما أن هناك عوائق أخرى لابد من إيجاد حلول لازالتها من الطريق، لكي تتخلص المعارضة من المأزق الجاد الذي يعترضها في عملية التغيير الحاسم والقوي… وهذا لايتم إلا بعمل مشترك ونضال دؤوب وتحضيرات ومتابعات دائمة… وقبل كل شيء لايمكن تخفيف وطأة المشاكل دون الاعتراف المتبادل بين سائر أطراف المعارضة الديموقراطية والوطنية المؤمنة بالتغيير الحقيقي…
من ناحية أخرى، فإن النظام سيخلق لنفسه متاعب كبيرة إن استعان بقوى غير سورية، مثل “حزب الله” مثلاً لقمع انتفاضة شعبية سورية قد تنفجر قريباً بسبب التأثير القوي بما يحدث في المحيط العربي حالياً من انفجارات بركانية هائلة…
النظام بدأ يعترف على لسان رئيسه، بأنه في حاجة ماسة إلى اجراء “إصلاحات سياسية”، وهذا يشكل له مأزقاً، فالشروع في اجراء أي اصلاح سياسي يعني بالنسبة له إخلاء مواقع هامة على جبهة الصراع مع الشعب، وأي اصلاح طفيف سيفتح الباب لمطالب شعبية أكبر وأوسع وأعمق، يؤدي التنازل حيالها إلى الاستمرار في الاندحار أمام قوى التغيير…
النظام الفاشل اقتصادياً لن يتمكن في حالته المالية هذه من الاستمرار في مواقفه العنيدة إذا ما اندلعت انتفاضات شعبية، ولن يتلقى مساعدات من العالم الحر الديموقراطي إلاّ إذا وافق على كل شروطه المتعلقة بالسلام والأمن والاستقرار في المنطقة، والمتعلقة بالقيم التي يجد هذا العالم نفسه مهتماً بها… والدول التي كانت تدعمه مالياً ستحسب حساباتها الخاصة في دعم أي مغامرة جديدة للنظام… وهذا مأزق يتطلب التفكير فيه قبل الاقدام على منازلة قوى التغيير في الشارع السوري.
كما أن مأزق العالم الحر والديموقراطي كبير، فهو من ناحية لايستطيع الامساك بأذناب الدكتاتوريات وشدها حتى لاتنزلق، ومن ناحية أخرى لايستطيع التنكر للقيم العالمية التي جعل من نفسه حامياً لها ومدافعاً عنها، وهو يدرك جيداً أن التنافر الصارخ بين القطبين “السلطوي” و”المدني” يتحول بسرعة لصالح أفكار الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان، وليس لصالح النظم القمعية… ولايمكن لهذا العالم “المتحضّر” أن يبقى في خانة “اللافعل واللااهتمام” تجاه مايجري في المنطقة… ولقد لاحظنا تحولاً ظاهراً في مواقف  الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية حيال ما جرى في تونس ويجري في مصر…
العالم الحر الديموقراطي لم يتمكن من اقناع النظم الدكتاتورية، وبخاصة نظام دمشق بالابتعاد عن الجمهورية الايرانية التي تشكل تحدياً له وتسعى للسيطرة على المنطقة الشرقية من البحر الأبيض المتوسط لمقارعة اسرائيل، وهنا يجد الليبراليون والديموقراطيون في العالم أنفسهم في حيرة، ولايدرون كيف يتعاملون مع هكذا نظام، قد لايشكل خطراً مباشراً الآن على اسرائيل، ولكنه في المستقبل البعيد سيكون من أهم الخنادق الساخنة ضد المصالح الدولية له في المنطقة ولوجود اسرائيل فيها.
ومهما يكن فإن من واجب المعارضة باستمرار إيجاد الحلول للخروج من المآزق، وتنظيم الذات، وتوحيد الجهود، وبناء العلاقة الوطيدة مع الشارع السوري ومع المجتمع الدولي، تلك العلاقة القائمة على وضوح الهدف وإدامة التحدي للنظام وتحقيق التغيير. وأهم ما يجب توضيحه هو أن الشعب السوري يناضل من أجل الحرية والديموقراطية والسلام وصون قيمه الخلقية والدينية والثقافية، وأن سوريا الحديثة هي سوريا التعددية والاعتراف التام بحقوق كل مكوناتها القومية والدينية، وأن فصائل النضال من أجل التغيير ترفض العنف وتنبذ الإرهاب، وتعمل من أجل السلام العادل والأمن والاستقرار في المنطقة.
ولابأس أن نطمئن إخوتنا العلويين وأخواتنا العلويات إلى أننا جميعاً مواطنون سوريون، وشركاء في الوطن المشترك، ولذا فإن سوريا قائمة على أساس اللامركزية ” نظام فيدرالي مثلاً” ستضمن حقهم في التمتّع ب”فيدرالية” خاصة بهم، كما هو مطلب يطالب به بعض الكرد أيضاً لقوميتهم ولغيرهم، حتى لايفرض عليهم ما لايقبلونه من تشريعات أو نماذج معينة من الادارة المركزية… والمعارضة مكلّفة بطمأنة أبناء وبنات هذه الطائفة التي قد تشعر بأنها الآن في أكبر مأزق تاريخي، نتيجة ما يجري في العالم العربي من انتفاضات عارمة…
على السوريين أن يثبتوا للعالم بأنهم شعب متحضر وقادر على الانتقال من مرحلة إلى أخرى دون سفك دماء ودون خراب أو دمار… والنظام مسؤول عن كل ما سيجري من أخطاء لأنه لم يظهر أي تغيير حقيقي في سلوكياته السياسية حتى اليوم

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s