المعارضة السورية والسؤال الكبير: ما العمل؟

جان كورد
cankurd@email.com

: ‏19‏ كانون الثاني‏، 2011
أدى الانتصار المذهل، الذي يكاد تاماً، للشعب التونسي على جلاديه من طغاة العهد البائد، إلى تغيير واضح في الخارطة السياسية للمنطقة الجنوبية من حوض البحر الأبيض المتوسط، يتسم باندحار دكتاتورية عاتية ومدججة بالسلاح وسائر أدوات القمع الرهيب أمام زحف الجماهير المؤمنة بحقها في حكم نفسها بنفسها والمستعدة للتضحية بأرواح كثيرين من أبنائها وبناتها في سبيل حريتها، عندما تدق ساعة النزول إلى ساحة المعركة السياسية الكبرى مع أعدائها…
لاريب فيه أن الصفات التي عليها أنظمة القمع في عالمنا المعاصر متشابهة جداً، وفي مقدمتها صفة الهروب عندما يشتد أوار الملحمة البطولية التي يسجلها الشعب الثائر في وجهها… ولكن لايمكن القضاء، حسب مبدأ تساقط أحجار الدومينو، على نظام مستبد رغم ضعفه بذات السهولة التي تم القضاء على نظام شبيه، فلكل مجتمع ديناميكيته الخاصة به وظروفه الذاتية والموضوعية، التي تجعله متميزاً عن غيره في نقاط، رغم التشابه التام في أمور عديدة، ومنها: الفساد الشامل، تعطيل الدستور أو تعديله بما يعزز الدكتاتورية السياسية أو الحزبية، الخرق المتواصل لحقوق الإنسان، البطالة المتفاقمة المؤدية إلى اتساع شريحة الطبقة الأفقر من المواطنين، كبت الحريات الاعلامية، الارهاب المنظّم بحق المعارضة، تعاظم اضطهاد الأقليات القومية أو الدينية في البلاد…
ولذا، فإن المعارضة الديموقراطية والوطنية السورية تسأل هي الأخرى نفسها الآن، كما في العديد من الدول المشرفة على البحر الأبيض المتوسط، عما إذا كان بمقدورها الاستفادة من الدرس التونسي المثير، وعما يجب أن تفعله بعد الآن، لمواجهة نظام لايختلف في كثير عن نظام زين العابدين بن علي، وبخاصة فإن ذلك النظام استند على حزب شبيه بحزب البعث التابع للنظام الأسدي في سوريا، طوعاً أو كرهاً، واستخدم ذات أساليب القمع والاقصاء ضد المعارضة، وأفقر الشعب ودك أسس الوحدة الوطنية وأضعف البلاد من شتى النواحي… وتمكن الشعب منه رغم ذلك دون أدنى مساعدة خارجية، عسكرية أو سياسية أو مالية…
لقد جاء الانتصار التونسي بسرعة غير متوقعة لعدة أسباب، يمكن عبر التطرق إليها التعرف على أسباب الضعف لدى النظام الذي بدا في أيام قلائل من التظاهرات الجماهيرية الحاشدة أضعف مما كان يتوقعه أي مراقب سياسي. كما يمكن الانتقال من خلال ذلك إلى تلمس نقاط القوة والضعف لدى كل من النظام السوري الذي لايزال حاكماً والمعارضة التي لاتزال غير واثقة من نفسها كما يبدو.
– لايهم أحداً في العالم الخارجي من يحكم تونس التي ليست لها واردات بترولية عظيمة، كما في جارتها ليبيا أو كما على سواحل الخليج (الفارسي- العربي) وليست لها حدود مباشرة مع اسرائيل ذات الشأن الكبير دولياً، كما هو حال سوريا والأردن ومصر ولبنان، ولاتقع على ممرات مائية دولية، كما هو شأن دولة الامارات العربية وعمان واليمن وجيبوتي ومصر والمغرب وبناما وغيرها… والمهم لدى قادة المنظومة الدولية أن لايحكم في تونس من هو في حالة عداء مستديم مع مصالحها وشعوبها، وأن لايدعم الحاكم التونسي المقبل “الارهاب الدولي” ضد العالم الحر الديموقراطي.
– حتى في أفريقيا فإن تونس لم تعلب تاريخياً دوراً هاماً، كما أنها لاتستيطع التأثير في جيرانها في شمال أفريقيا، فهي أضعف بشرياً من جارتها الغربية (الجزائر) وأضعف اقتصادياً من جارتها الشرقية (ليبيا)، وليس لها عمق أفريقي جيوسياسي مثلهما…
– لم تستطع تونس لعب أي دور هام في مسألة الصراع العربي – الاسرائيلي، سوى استقبال قادة وكوادر منظمة التحرير الفلسطيني لدى تعرضهم لهجوم القوات الاسرائلية في عام 1982 في لبنان واضطرارهم للنزوح عن لبنان، ومن بينهم القائد الفلسطيني ياسر عرفات ذاته. فلمع اسم تونس آنذاك بعض الوقت، ثم سلطت الأضواء الإعلامية على جوانب أخرى من المنطقة…وتركت تونس ينهشها الذاب في ناحية مقفرة من العالم…
– بدا النظام التونسي وكأنه مدعوم تماماً من الدول الأوروبية والأمريكية، ولكنه في الحقيقة كان بمثابة عبء ثقيل على عاتقها، فممارسات النظام الخارقة لحقوق الإنسان كانت قد وصلت إلى مستوى ضار بسمعة كل من يصادقه ويعلن عن علاقاته معه. وبالتالي فإنه كان يغذي “الارهاب” في شمال أفريقيا بهذا الأسلوب، عوضاً عن المساهمة في القضاء عليه.
وإذا ما نظرنا إلى النظام السوري، الذي هرب منه نائبان لرئيس الجمهورية من قبل، أحدهما في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد “القائد إلى الأبد!!!” مؤسس النظام، والآخر في عهد الرئيس النجل بشار الأسد، والذي فشل حتى الآن في سياساته الاقتصادية والمالية، ولكنه يحاول تصوير هذا الفشل الذريع على أنها انتصارات، فإننا نجده متمتعاً حتى الآن ببعض أسباب القوة منها:
– في حين أن الشعب التونسي متناسق قومياً ودينياً ومذهبيا، فإن سوريا بلد متعدد القوميات والأديان والطوائف والمذاهب إلى حد كبير بالنسبة إلى تونس. والنظام يجيد لعبة “فرّق تسد” الشهيرة، واستفاد من ذلك كثيراً أثناء المرحلة الدموية بين عامي 1979-1982، حيث تمكن من ترويع الأقليات غير المسلمة وشدها إلى جانبه، بل تمكن من كسب عقول وقلوب رؤساء الأحزاب القومية الكردية أيضاً، على الرغم من أن الكورد الذين يشكلون ثاني أكبر قومية في البلاد من حيث الحجم السكاني والتوزع الديموغرافي، ليسوا أقلية من الناحية الدينية وانما جزء من الأكثرية السنية بفارق بسيط هو أن بين ظهرانيهم أقلية دينية “أيزيدية” أيضاً ولربما قرية أو قريتان من الطائفة العلوية… ولاندري لربما وعد النظام قادة الكورد آنذاك بتحقيق مطالبهم القومية، ولكنه سرعان ما استمر في مشاريعه العنصرية حيال القوم الكوردي بشكل صارخ، ولم نسمع عن أي لين في سياسته العنصرية ضد الكورد حتى اليوم، بل أوغل في ذلك مؤخراً.
– الجيش السوري مبني على أساس طائفي أصلاً، فقياداته علوية، وهو مدرب على الدفاع عن العاصمة السورية وليس على الدفاع عن كامل الأرض السورية، فالتاريخ الحديث لسوريا الأسد والبعث يثبت لنا أنه جيش مهامه الأساسية “حماية النظام والثورة!”، ولكن الجيوش لاتستطيع التصدي لشعب كاملفي حالة غليان. في عام 1982 كان الوضع شيئاً آخر، وكذلك أثناء الانتفاضة الكردية في عام 2004، فالشعب لم يتحرك ضد النظام في كل مكان. في الحالة الأولى كان “الإسلاميون” في صراع دموي لوحدهم ضد النظام، وفي الحالة الثانية كان الشعب الكردي وحده في الميدان، حتى أن أحزابه التي تعلن نفسها ممثلة له لم تشارك في الانتفاضة، بل لعبت دوراً تميعياً لها، على أمل أن يتوقف النظام بعد ذلك عن سياسته الإرهابية ضد الشعب الكوردي. لقد فشل الجيش التونسي في إخماد انتفاضة الشعب التي سرعان ما انتشرت في سائر مدن البلاد وأدخلت النظام في شباك الصيد الواسعة. لقد حرر الشعب الكوردي مدنه من إدارة النظام، ولكن لم يكن هناك بديل سياسي من احزابه.
– الموقع الجيوسياسي لسوريا يؤهل النظام لأن يظهر نفسه حتى اليوم كعنصر “أمن واستقرار” لدى العديد من الدوائر الاستراتيجية في العالم الحر الديموقراطي، وهو باقٍ أصلاً لتصور بعضهم في العالم الخارجي أن النظام يؤدي لهم دور جندي تحت السلاح، يحمي الحدود الشمالية لاسرائيل ويقمع المناوئين في الداخل وفي لبنان الجارة، ولاينكر أحد أن للنظام الأسدي – البعثي دور هام في ضرب فصائل فلسطينية قوية ورئيسية في لبنان، وفي محاولة القضاء دموياً على “الإسلاميين” السوريين في ثمانينات القرن الماضي، هؤلاء الذين يعتبرون النظام عائقاً أمام تحرير فلسطين وسداً في وجه مشروعهم السياسي.
– استطاع النظام خلال فترة حكمه الطويلة جداً شراء الذمم واكثار التابعين وبناء جيوش من المرتزقة تحت أسماء وحدات عسكرية وأمنية مختلفة، وفرض سيطرته على شتى التكتلات الاجتماعية والمساجد ومخاتير القرى وزعماء الأحزاب ، إلاّ من رحم ربي وربكم، وأسس دولة سرية بموازاة الدولة العلنية، وجعل في كل زاوية من بيت المواطن السوري له عملاءً يكتبون التقارير ببعضهم ويراقبون من حولهم مراقبة صارمة، حتى أصبحت الجامعة والجامع، الثكنة والمدرسة، الفندق والمطعم، النقابة والروابط، كلها في شباكه العنكبوتية، يرى ويسمع كل واحد، حتى أنه بنى لنفسه في المهاجر شبكة واسعة للغاية من عملائه وجواسيسه، إلاّ أنه ضعيف في مجال واحد، ألا وهو معرفة متى ومن أين تهاجمه طائرات العدو وتغير على موقعه النووي الوحيد في عمق البلاد، ففي هذا المجال تجد النظام صماً بكماً عمياً…وهذا عجيب وغريب…! ويفشل في الكشف عن الذين يغتالون جنرالاته او أحداً مهما كعماد مغنية الارهابي الكبير أو عالماً إسلامياً مثل الشيخ محمد معشوق الخزنوي…إن لم تكن هي هذه الجرائم من أفعاله هو بالذات، كما هو مسلسل جريمة اغتيال الجنود الكورد…
– يستخدم النظام شتى فنون القمع والإرهاب ضد المعارضة، ويمتلك لذلك سلسلة طويلة من جحور الاعتقال والتعذيب والقضاء على الإنسان واهانة كرامته، وبالفعل فإن سوريا صارت مضرب الأمثال في فنون التعذيب الكثيرة وفي انتهاك الحقوق الإنسانية، وهذا ما جعله (يبدو) قوياً في نظر الكثير من المواطنين المذعورين مع الأيام. وتمكن النظام من اقامة علاقات قوية مع منظمات ارهابية أو لاتتوانى عن ارتكاب جرائم اغتيال أو خطف وتسليم المعارضين إلى سوريا، وفي مقدمتها حزب ألله الايراني الأصل واللبناني شكلاً وصورةً، وفلول البعث العراقي البائد وتنظيم القاعدة ومن على شاكلته في العراق، إضافة إلى بناء جهاز قوي للمخابرات السورية في لبنان بشكل خاص، حتى يعكر الماء على المعارضين السوريين ويهددهم أو يقضي عليهم هناك.
– مدت دول تعتبر نفسها من الدول “الديموقراطية” أيدي العون والمساعدة للنظام، في وقت تجاهلت وجود “معارضة” سورية، ومنها دول الاتحاد الأوروبي التي حاولت جذب سوريا وكسبها إلى معاهدة دول البحر الأبيض المتوسط الشهيرة، وبخاصة فرنسا منذ عهد الرئيس ساركوزي، وكذلك السعي التركي لاستغلال الفرص واحتواء سوريا سياسياً واقتصادياً، وذلك بهدف السيطرة على السوق الوطنية السورية بذريعة العمل لابعادها عن ايران التي تحاول لعب دور دولة عظمى في المنطقة وتدفع لذلك أموالاً وسلاحاً وخبرات كبيرة في الاغتيال والتعذيب والاعلام…
وبالمقابل، فإن نقاط ضعف النظام قد ازدادت، بسبب سوء تصرفاته السياسية، داخلياً وخارجياً، وكذلك بسبب فشله الاقتصادي الذي مصدره السلب والنهب المنظّم لأموال الشعب واهدارها دون وجه حق، والاضطراب الكبير الذي عليه النمو الاقتصادي في البلاد لأسباب عديدة لامجال سردها هنا، وذلك إضافة إلى نقاط الضعف التي يشترك فيها النظام مع سائر النظم القمعية الشبيهة به، ومنها التي ذكرناها في البداية:
– النظام بفكره السياسي من بقايا النظم الاشتراكية الفاشلة المنقرضة، وهو الوحيد الباقي في المشرق العربي، بعد القضاء على نظام صدام حسين البعثي على أيدي قوات التحالف الدولي في عام 2003. كل الأنظمة المحيطة بسوريا جغرافياً تسير بشكل أو بآخر صوب الديموقراطية، بدرجات متفاوتة. والشعب السوري يرغب أيضاً في اقامة نظام تعددي منتخب منه ويسعى لأن يحكم نفسه بنفسه.
– لقد تطوّر وعي المواطنين، بسبب التغيرات الكبيرة على الصعيد العالمي، وخاصة في مجال الاتصالات الالكترونية ونشوء محطات نشر وتوعية واتصال غير خاضعة لسياسة النظام، فالاعلام الذي يتغذى منه الشباب السوري ليس اعلام “الثورة” و”البعث” و”تشرين” وانما هو الاعلام العالمي الحر والعربي شبه المستقل، ولذلك فإن وعيه السياسي أيضاً في تطور مذهل، رغم سياسة الحجب الالكتروني التي يحاول فرضها في سائر المجالات على ما يراه ويقرأه الانسان السوري عبر الانترنت. والعوائق التي يضعها لمنع الشباب من تلقف الخبر المستور والرأي المعارض لاتستطيع منع كل شيء عنه.
– هناك أطراف متزايدة في العالم الحر الديموقراطي بدأت تدرك جيداً أن النظام الأسدي – البعثي ليس عنصر أمن واستقرار، وبخاصة منذ اعتلاء الرئيس النجل عرش السلطان، وعلى العكس من ذلك فإن ازاحته وبناء نظام ديموقراطي حر منتخب سيزيل سائر العقبات في أن تلعب سوريا دورها الحضاري الكبير في المنطقة وتساهم بقوة في عملية السلام العادل وتخف حدة تنامي التنظيمات “الارهابية” وتجفيف مستنقعها الذي سبب وجوده عدم القضايا الساخنة في المنطقة والفوضى الاجتماعية في البلاد، هذه الفوضى التي مصدرها نظام الرعب السوري قبل أن تكون الأفكار المتطرفة لبعض الارهابيين.
– أفرغ النظام السوري الجيش السوري من محتواه الوطني المدافع عن البلاد ليصبح أداة لبقاء وصون قلاعه فقط، وهذا ما يخلق في صفوف الجيش تذمراً وخلخة قد لاتكون ظاهرة اليوم ولكنها قوية ولابد أن تكون لها انعكاسات كبيرة في حال قيام معارضة سورية قوية في الساحة، تساندها مختلف شرائح الشعب السوري، بغض النظر عن مكوناته الاثنية والدينية.
– فقدان الأنظمة الدكتاتورية بشكل عام للمظلة الدولية التي كانت تحميهم والمعسكر المنافس للعالم الحر الديموقراطي، الذي يجد هذه الأنظمة أعباءً ثقيلة على أكتافه، يريد التخلص منها بسرعة، وحالة تونس ترينا بأن النظام الدكتاتوري هناك لم يتلّق معونة بالشكل الذي توقعه المراقبون من أقرب أصدقائه وأشقائه… بل إن هناك أصواتاً عالية في الغرب تدعو لازالة هذه الأنظمة بكل وضوح وثبوت، ومنظمات حقوق الإنسان العالمية تنشر باستمرار تقارير ليست في صالح هذه الأنظمة، ومنها النظام الحاكم في سوريا.
– نمو معارضة سورية ديموقراطية ووطنية بأشكال وصور متعددة، رغم أنها غير متماسكة، وانهيار فلسفة “الحوار مع الدكتاتورية” و”الدعوة لاصلاح البين والتغيير الطوعي” و”التضحية بقضية الحرية والديموقراطية للشعب السوري بسبب قضايا أخرى أهم!”، ونرى اليوم تساؤلاً كبيراً يلقي بظله على وجوه المعارضين السوريين، ألا وهو: ألا توجد في سوريا معارضة حقاً؟ وإن وجدت فما العمل الذي يجب أن تقوم به الآن؟ ومن أين تبدأ؟ وكيف؟
– الوضع الاقتصادي المتردي في البلاد، بحيث تعتبر سوريا من الدول الفقيرة التي تحتاج لمساعدات كبيرة من اليونسكو، وأدت سياسات النظام العنصرية تجاه الشعب الكوردي إلى اخلاء منطقة الجزيرة من السكان بشكل متعاظم، نتيجة انتشار الفقر المدقع، تلك المنطقة التي كانت خزاناً هائلاً للمنتوجات الزراعية والثروة الحيوانية، كما أدى اتساع البالونات السكانية حول المدن الكبيرة، وبخاصة دمشق وحلب، إلى ازدياد المشاكل الاجتماعية والانفلات الأمني وتعاظم الجريمة المنظمة، وتغلغل الفكر الارهابي إلى الأحياء الفقيرة، وارتفاع نسبة العاطلين عن العمل، مقابل الخمود الواضح في المجالات الزراعية لخلو الريف من الأيدي العاملة الشابة… لقد ارتفعت نسبة الفقراء المدقعين ازدياداً صارخاً حسب التقارير العالمية.
طبعاً هناك نقاط ضعف كثيرة أخرى، منها قدرة المعارضة على منازلة النظام في العالم الخارجي واقحامه في صراع سياسي مكشوف على الصعيد الدولي، وعلى اعادة تنظيم نفسها بحيث تصبح قوة فاعلة حقاً، كما أن ظلال المحكمة الدولية الخاصة بجرائم لبنان لاتزال ترعب النظام الدمشقي، وفشله في كل مبادراته التي انفرد بها كقوة هامة مجاورة للبنان أو التي تمتع فيها بدعم عربي ودولي، يظهر سوريا كدولة فقيرة ذات نظام بائس متخلّف، تابع للفلك الايراني الذي ينتهج سياسات خطيرة في المنطقة، ويسعى إلى فرض مذهبيته الضيّقة على شعوبها، لن يبكي أحدا في العالم بسبب زواله… ولكن أن نزعم بأن هذا سهل وممكن التحقيق بمجرّد خطوة تقوم بها أطراف من المعارضة أو كرد فعل على حادث خطير كأن يحرق نفسه شاب سوري، فهذا ضيق أفق. ومن الخطير أن ننتظر حتى يقدم النظام بنفسه على الانتحار بقيامه بمبادرة واسعة للقضاء على كل أشكال المعارضة وبالتالي حدوث شيء عظيم نتيجة جنون وطيش النظام، فالنظام ليس غبياً لهذه الدرجة وسيمضي في انتهاج سياسة العصا والجزرة مع المعارضة، وممارسة الرياء والنفاق والبهلوانيات مع العالم الخارجي، وقد يلجأ إلى اتخاذ خطوات على غرار السماح مؤقتاً لما يسمى ب”المنتديات الثقافية والسياسية” التي انتشرت كالفطر بعد تولي بشار الأسد رئاسة البلاد لفترة وجيزة، حتى ينسى الناس ما حدث في تونس وغيرها، ثم يعود النظام لطاحونته فيستمر في طحن عظام الشعب دون حسيب … وها هو يصدر عدة فرمانات متتالية في يوم أو يومين، وكأني به يسعى لرشوة الشعب…
والجواب هو عند المعارضة، كل المعارضة معاً… وهذا لن يتم دون اتفاق على شعار موحد، دون وجود نقطة اتفاق أساسية، ودون الاعتراف المتبادل بين أطرافها… إن الفرصة سانحة الآن لعمل جاد ومشترك، والشعب لن يصبر على كسل وخمود هكذا معارضة طويلاً…

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s