نظرة في وثيقة الذئب الأغبر بصدد مقترحه لنظام الادارات المحلية

جان كورد، ‏24‏ كانون الأول‏، 2010

أرسل لي موقع انترنتي عائد لتنظيم حزب العمال الكوردستاني في غرب كوردستان معلومة عن هذه الوثيقة مرفقة بصورة مزيّنة للمجرم الأكبر (حسب وصف سابق له من قبل رئيس هذا الحزب بالذات)، وبعنوان برّاق للوثيقة، التي ليس في أسفلها تأريخ أو توقيع، ولا نجد مع نصها أي صورة فوتو كوبي من الأصل

وأملي هو أن لاينخدع الكورد بهذه المناورة، التي ستفشل إن شاء الله كما فشلت سائر المؤامرات الأخرى، التي استهدفت تمزيق الصف الكوردستاني وتمييع قضيتنا الأولى ودفعنا لأن نربط أنفسنا بأنفسنا بالسلاسل التي وضعت في أيدينا وأرجلنا منذ قيام جمهورية آتاتورك هذه في عام 1923

منذ أيام قلائل، نشر رئيس الوزراء التركي، السيد رجب طيّب أردوغان، مقالاً بعنوان “تركيا أمة جديدة لاغنى عنها” يوم الأربعاء 22/12/2010 في صحيفة “الخليج” الاماراتية، حول دور تركيا الراهن في المنطقة وأهميتها في ترسيخ السلام والعدل والرفاه في الشرق الأوسط، ولكنه في الوقت الذي أسهب في الحديث عن فلسطين والمنطقة العربية وحلف النيتو والاتحاد الأوروبي، فإنه أهمل الوضع التركي الداخلي عامةً بشكل ملحوظ، وذلك – كما يبدو- تفادياً لأي حديث عن مشكلة بلاده الرئيسية، ألا وهي المشكلة الكوردية…وهذا يرينا مدى الخوف الذي يعاني منه السيد رجب طيب أردوغان من حدوث ردّة كبرى في مجال اصلاحاته القانونية والدستورية، ومنها وعوده لحل القضية الكوردية حلاً متواضعاً لأن حزبه لاينجح في الانتخابات بدون الصوت الكوردي…

وحقيقة يجدر القول بأن هناك مساعٍ حميدة من قبل القيادات الكوردستانية في جنوب كوردستان وفي شمال كوردستان للتوصّل مع حكومة أردوغان بالذات إلى شكل من أشكال الحلول المقبولة كوردياً وتركياً ودولياً للقضية الكوردية في تركيا… ولكن الصراع محتد جداً بين حكومة وحزب السيد رجب طيّب أردوغان وقادة الجيش ومن ورائهم زعماء الأحزاب الكلاسيكية والمجموعات اليمينية في البلاد، وبخاصة بصدد أي خطوة ما تجاه حلًٍ لهذه القضية التي أفرغ إهمالها خزائن المال التركي، نتيجةً للحروب وإخلاء أجزاء واسعة من كوردستان من القوى المنتجة، أي اضعاف الانتاج الزراعي الذي كان دعامةً كبيرة لتسويق البضائع التركية إلى أوروبا، حيث هذا التسويق كان ولا يزال يأتي للبلاد بالعملة الصعبة

ومعلوم أن فكرة الإدارة المحلية ليست جديدة، وهي تعود إلى عهد القضاء على معاهدة سيفر الدولية التي أقرّت حق الحرية والاستقلال للشعب الكوردي، في عام 1920، وبعقد معاهدة لوزان في عام 1923، أي في عهد قيام الجمهورية بقيادة مصطفى كمال (أبي الأتراك)… وهذه الفكرة قد أخذت حيّزاً كبيراً من عقل الزعيم العمالي المعتقل، السيد عبد الله أوجالان، الذي كان يتهم من لايطالب بالاستقلال الكوردي بالخيانة الوطنية عندما كان في دنيا الحرية، وكان يصف هذا الصديق الكبير”!” بأشرس عدوٍ للأمة الكوردية… ولقد كتبنا عن ذلك مقالاً مسهباً من قبل. ومنذ اعتقال هذا الزعيم نرى تأكيداً من قبله أن العدو الأكبر لشعبنا الكوردي هو حزب السيد رجب طيب أردوغان، في حين أن الصديق الأكبر الذي سعى لمنح الشعب الكوردي “إدارة محلية” لم يكن سوى مصطفى كمال هذا

وفي غمرة الصراع بين الحكومة والعسكر ينشر حزب العمال نص هذه الوثيقة، وكأنه يقول لنا: ” لاتهتموا بما يقوله لكم السيد أردوغان، وانما أنظروا ماذا يقدّمه لنا الكماليون، أعداء الأردوغانيين….”

وإذا ما نظرنا بدّقة إلى نص الوثيقة التي يريدون لها مكانة أهم وأعلى من معاهدة سيفر بالذات، فنرى طرحاً للسيد آتاتورك لفكرة “تشكيل الإدارات المحلية في كل البلاد” كجزء من سياسته الداخلية، وهذا ما نقرأه جلياً في المادة الأولى من الوثيقة.

1- تشكيل الإدارات المحلية في جميع انحاء الوطن وعلى نطاق واسع وعلى مراحل من متطلبات سياستنا الداخلية.

وفي المادة الثانية يوضّح السيد آتاتورك بأن الكورد أيضاً يجب أن يؤسسوا تنظيمهم المتعلّق بالادارة المحلية حسب قناعته، والادارة المحلية مطبّقة منذ زمن سابق، في أوروبا التي يتوجه إليها بجمهوريته ويسعى أردوغان الآن الانتماء إلى اتحادها اليوم، وكذلك في بريطانيا التي كان آتاتورك في مرحلة من المراحل خصمها، وفي الدولة السوفيتية الشيوعية التي كانت لبلاده حدود معها في ذلك الحين…

2- حسب قناعتنا يجب أن يكون الأكراد قد أسسوا تنظيمهم المتعلق بالإدارة المحلية، وذلك عبر تمكنهم من تشكيل تنظيماتهم واختيار رؤساءهم بصدد الإدارة المحلية حتى هذه المرحلة.

ويوضّح السيد آتاتورك في المادة الثالثة من اقتراحه وقناعاته بأن ذلك وارد لتغذية الصراع بين الكورد والأجانب الانجليز والفرنسيين في كوردستان، إلى طريق اللاعودة، وكان الانجليز يتوددون آنذاك لزعماء الكورد في جنوب كوردستان، ولكن القائد الكبير لهم الشيخ محمود البرزنجي الذي أعلن نفسه ملكاً لكوردستان قد وقع في نزاعٍ دموي مع الانجليز لأسباب عديدة، أو بتحريض “تركي!”، مما استفاد الترك من ذلك، واليوم نجد أنه لاتزال هناك آثار واضحة للسياسة الأمريكية وقواها العسكرية في العراق، وكأن التاريخ يعيد نفسه، وهناك مخاوف من أن تستغل تركيا الظروف لصالحها مجدداً حتى يتم احباط أي مشروع استقلالي للكورد…إن آتاتورك واضح في كلامه، حين يتمنى من منح الكورد إدارات محلية نشوب نزاع مسلّح بينهم وبين القوى الخارجية…أي أن المسألة ليست مسألة حق أو غير حق وانما تكتيك سياسي مفضوح. وأرى بأن الكورد أذكى من أن يقعوا في تزاع مع منافسين لتركيا في المنطقة، عرباً أو فرساً أو أجانب، فالكورد تعلموا الكثير من هزائمهم ونجاحاتهم

3- من اجل وصول العداء ضد الفرنسيين وبشكل خاص الانكليز المتواجدين على حدود العراق إلى مستوى الصدام المسلح الغير ممكن التراجع عنه في كردستان وإعاقة الوحدة فيما بين الكرد والأجانب، فلا بد من تشكيل الإدارات المحلية وعلى مراحل. لذا يتوجب تحضير الأرضية المناسبة لهذه المسألة وإعطاء الوظائف المدنية والعسكرية للإداريين الكرد لكي نؤمن صداقتهم وارتباطهم بنا من القلب بهذه الطريقة، لذا يجب العمل بهذه الأساليب العامة التي تم القبول بها في سبيل تأمين هذه الصداقة وتعميقها

ولا أدري كيف لم تقع عيون ناشري هذه الوثيقة على المادة الرابعة التي تقول بجلاءٍ تام

4- السياسة الداخلية لكردستان سيتم رسمها وادارتها من قبل قيادة جبهة الجزيرة

بمعنى أن الموضوع برمته سيكون في أيادي جنرالات الجيش وقادة الجبهة (جبهة الجزيرة)، فلن تكون هناك سياسة داخلية أو خارجية كوردية وانما مجرّد إدارات محلية خاضعة للسلطة العسكرية التركية… أفلا يذكّرنا هذا بنظام “جحوش القرى” في شمال كوردستان، هذا النظام الذي حاربه حزب العمال الكوردستاني بشدة في الماضي، وكان سبباً من أسباب انتكاسات متتالية في جنوب كوردستان؟

كما يضيف السيد آتاتورك في المادة بأن الترتيبات والتغيرات الضرورية في مختلف المسائل الادارية والقضائية والمالية لهذه الادارة ستكون من حق جبهة الجزيرة العسكرية

5- التغيرات والترتيبات التي تراها قيادة جبهة الجزيرة بانها ضرورية في المسائل المتعلقة بالادارة والعدالة والمالية، فانها سوف تقترح اجراءاتها حول هذه المواضيع للحكومة

فلماذا توقيت هذه الوثيقة اليوم، بعد أن نبت الربيع على دمنة السيد آتاتورك، واهتزت شجرته العملاقة اليوم، وجنرالات جبهاته العسكرية يجرجرون إلى محاكم مدنية بتهم الاجرام والارهاب والسعي للفتن والانقلاب…؟

بل لماذا يرونق أنصار حزب العمال الكوردستاني في شمال وغرب كوردستان صورة “المجرم الأكبر” بهذا الشكل وينشرون وثيقته هذه دون نصها الأصلي، أو الواضحة الصورة والحروف بهذا الشكل الآن؟

الجواب سهل وبسيط، ولكن على حزب العمال أن يفسّر لنا هذه الوثيقة تفسيراً مقنعاً قبل كل شيء

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s