نظرات في النشاط الكوردي السوري -2 أزمة المثقف الكوردي ببساطة

جان كورد، ‏22‏ كانون الأول‏، 2010

نسمع ونقرأ بين الحين والحين دعوات من جهة الكوادر المتقدّمة في الحركة السياسية في غرب كوردستان، موجهة للمثقفين الكورد بأن يتحمّلوا القسط الواقع على أكتافهم من المسؤولية الوطنية والقومية، عن طريق المساهمة في الحوارات والنقاشات والفعاليات التي تقوم بها الحركة…ويتحدّث على الأخص بحماس منقطع النظير في هذا المجال أولئك الكوادر الذين لهم باع طويل في المجال الثقافي، فهم يشعرون بأن الجفاء بين الفعل الثقافي والفعل السياسي لايخدم الشعب الكوردي… ولكن مع الأسف أصحاب هذه الدعوات بالذات هم الذين يعقّدون المسألة ويطرحون ما يبعد المثقفين عن الحركة بدل اقترابهم منها…فالتناقض ليس في دعواتهم الرقيقة وانما في نمط تفكيرهم السياسي – الثقافي، بمعنى في فكرهم بالذات دون غيرهم

فكيف يكون هذا؟

إن هناك نماذج من هذه الكوادر تزعم بأن الحركة لاتمنع المثقفين من نشر أفكارهم ولا تضع قيوداً على إصداراتهم الأدبية، ولا تعترض على مواقفهم السياسية أيضاً، والحقيقة أن هذا لايتفّق مع سياسة “الاقصاء” والمنع من نشر نتاجات هذا المثقف أو ذاك في جرائد ومجلات والمواقع الالكترونية لهذا الحزب أو ذاك، وهذا يمكن اثباته بالشواهد والوقائع… وهم أيضاً مثل أحزابهم يضعون شروطاً للنقد ومسارات لما يجب أن تكون عليه المسيرة الثقافية…ولكنهم مع ذلك يعملون على بيع أسطوانتهم المملّة هذه في الشارع الكوردي

لو سمح هؤلاء الكوادر بالرأي الآخر المختلف حقاً لما حدثت كل هذه الانشقاقات في جسد الحركة الكوردية السورية… ولو سمح هؤلاء بنشر ما يكتبه المخالفون لآرائهم في جرائدهم ومجلاتهم لما ظهرت كل هذه المواقع الالكترونية المستقّلة؟

إن وضع الاصبع على الجرح النازف ليس مسؤولية الكادر السياسي وحده، مهما كان مثقفاً ومتقدّماً في صفوف حزبه، مهما كان عريقاً في نضالاته، ولايمكن مطالبة المثقفين الكورد بأن يساهموا في ترميم البيت ووضع المادة المجّهزة للبناء في أيديهم من قبل أصحاب البيت ذاتهم. ويبدو أن هذه الكوادر بحاجة إلى أقلام  وريشات وآلات طرب وألسنة تعزف وتغني على ايقاعاتهم فحسب، لاغير. والمثقفون الذين يفتقدون فضاء الحرية أمامهم يترددون في الانتاج لصالح من يطالبهم بانتاج من أنواع معينة وبمواصفات تسويق محددة…فإما أن تدع المثقف يفكّر ويقول ما يفكّر به، وإما أن تعلن مثل شركات البناء عن عمال ومهندسين ومساعدين وفق لائحة شروط يجب أن يوافق عليها المتقدمون بطلبات عمل مقدماً

وهنا، وسط هذا الالحاح الشديد على المثقفين من قبل كوادر مثقفة ومتقدّمة في الحركة السياسية بأن يقوموا بجزء من العبء الثقيل الواقع على عاتقهم، يجد المثقف الكوردي نفسه في أزمة حقيقية لايستطيع تجاوزها بسهولة… وهي أزمة مستديمة لدوام الازدواجية التي يرونها في الجهة التي تفتح ذراعيها واسعة لهم، إزدواجية الاصرار على أن يقوم المثقف بدوره في الظل السياسي ووضع المشروع الثقافي برمته ضمن الخطوط الحمر التي تضعها الحركة كشروط أولية لهذا الجهد التعاقدي…

وقبل هذا وذاك، لابد من الاجابة عن سؤال هام: ألا وهو: من المثقف في مجتمعنا الكوردي؟

للاجابة عن هذا السؤال نقع في مطبات كبيرة، فهناك لدى البعض تصوّر خاطىء عن المثقف الكوردي، فهل على الكوردي أن يكون مثقفاً مثل نعوم جومسكي، الذي له عشرات الكتب في اختصاصات اللغة، ويعتبر منشقاً أمريكياً كبيراً؟ أم أن المثقف يجب أن يكون مثل الدكتور اسماعيل بشكجي، الذي قضى جزءاً كبيراً من حياته في المعتقلات التركية، في ظروف سيئة للغاية، ومع ذلك ألّف كتباً رائعة حول المجتمع كونه عالم اجتماعي؟ أم المقصود بالمثقف هو كل من كتب قصيدة شعرية أو كتب دراسة سياسية أو شارك في اصدار دورة نشرية حزبية لفترة زمنية؟ وهل يمكن اعتبار الخصم السياسي الذي ينتقد الحزب وسياساته ونهجه العملي مثقفاً رغم مواقفه المخالفة؟ أم أن المثقف هو الذي يكتب المدائح البطولية حول صحة كل المواقف المتخذة من قبل قيادة الحزب و”يترفع” عن النطق بأي نقد سلبي…؟

هنا لاتزال بين الكورد السياسيين والمثقفين أيضاً خلاف في الرأي حول تحديد “بروفايل” المثقف الذي تسعى الحركة لاجتذابه

وحتى يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود في هذه البقعة من النشاط الفكري الكوردي سنقع في مآزق متتالية وتزداد أزمة المثقف نفسه عمقاً وضيقاً

لنقترب ببساطة أكثر من المسألة

قد يكون هناك من المثقفين من يعتبر سير الأحزاب الكوردية في غرب كوردستان بطيئاً، ويرى بأن على هذه الأحزاب تنشيط نفسها والقيام بجهود أكبر لمواكبة ما يراود عقل الشعب من أفكار  وتصورات،  وهناك من يرى بأن الحركة “على قدر الحال” وتسير بخطى مدروسة وعملية وواقعية، فإن كوادر الحركة الراضين عن مسارها سيعتبرون المثقف الأوّل طفولياً، حالماً، غير واقعي، بل ومتهوراً، وأحيانا تصب الحمم على رأس من ينتقد الحركة في هذه الناحية، في حين تحتضن الحركة النوع الآخر وترفعه إلى درجة “المثقف الواعي” الذي لايعمل على ايقاع الحركة في مأزق خطير، وتفتح له الأبواب المقفلة كلها… وهناك من ينظر إلى الحركة من خارجها كما أن هناك من ينظر إليها من داخلها، فتكون النتائج الناجمة عن دراسات هؤلاء مغايرة للنتائج التي تنجم عن دراسات الآخرين…وكذلك مثل هذه الاختلافات نراها بين من يعيش خارج الوطن ومن يعيش داخله… بمعنى أن النظرة إلى المثقف نسبية، ونظرة المثقف إلى الحركة ونشاطها حسب الزاوية التي ينظر منها نسبية، كما في نظرية آينشتاين الشهيرة

لماذا لاتستطيع الحركة السياسية الكوردية بمثقفيها، وتبني بينها وبين المثقفين أسواراً عالية وسميكة، بل تحاربهم وتعتبرهم مرتزقة وأعداءً، إلاّ من هي عنه راضية رضاءً حزبياً تاماً، في حين تقدر على ذلك الحركة الاشتراكية الدولية مثلاً؟

أعتقد بأن السرّ في ذلك هو أن أحزاب الاشتراكية الدولية تحترم ثقافة المثقف وفكره ومشاريعه وخطابه، ولاترى في ذلك أي خطر عليها، ولذا نرى مثقفين أوروبيين يحملون أو حملوا جائزة نوبل للآداب وظلوا أعضاء بسيطين في أحزابهم التي انتسبوا إليها…في حين أن مسؤولين حزبيين أكراد عبّروا بصراحة لمثقفين عن ضيقهم ذرعاً بمثقفين، خوفاً من أن يفرض هؤلاء المثقفون أفكارهم على الحزب ثم يغيّروا سياساته ومنهجه حسب أفكارهم…والأستاذ (بير رستم) له تجربة مريرة في هذا المجال، على الرغم من أنه  كان ملتزماً بحزب من الأحزاب الكوردية “السورية” وكان مسؤولاً هاماً فيه… وهناك من ظن بأن على المثقف السير وراءه كالكلب الوفي… هناك في العالم المتقدّم عدم الخوف من المثقف وهنا في العالم المختلّف التخوّف من أن يتحوّل المثقف إلى مفترس يقضي على غنم الراعي

وإن تشكّلت رابطة للمثقفين فإن الأحزاب تسعى بقوّة للسيطرة عليها وتحويلها إلى منظمة تابعة لها، وللمثقفين الكورد تجارب مريرة في هذا المجال أيضاً…وعندما تتبع منظمة للمثقفين حزباً معيناً فإنها تتحوّل سياسياً أيضا إلى تابع كأي هيئة حزبية أخرى… وفي نظر بعضهم إن أشنع ما يرتكبه المثقف من جريمة هو أن يساند طرفاً في نزاع، حتى ولو كان هذا الطرف على حق ويجب دعمه لأنه يقوم بعمل جيد، فالمثقف المفترض هو الذي يجب أن يكون خادماً للأسياد دون قرار شخصي، بل دون تفكير أيضاً، وما يفرز من جعبته يجب أن يبقى في حدود ما يسمى ب”النقد الايجابي!!!”، أي السير في ركب الحضارة الحزبية دون أن يضع بنفسه شواهد أو علامات طريق، فهي موضوعة وثابتة وعتيقة لايحق لأحد تغييرها أو الاعتراض على أي منها

فما العمل؟

لابد من إيجاد قاعدة مشتركة للعمل المشترك بين المثقفين الأحرار الذين يرفضون أن يضعوا أقلامهم وريشاتهم وأصواتهم في خدمة السلطان وبين كوادر الحركة الذين يجدون المثقفين مقصّرين في مجال  تقديم “المساعدة الضرورية” للحركة السياسية. ومن أجل ايجاد هكذا قاعدة متينة ورصينة لابد من أن يثبت كوادر الحركة للأغنام الشاردة بأنها لن تقدّم كقرابين على مذابح القيادات التي لاتقبل من النقد إلا ما تراه هي إيجابياً، وعلى المثقفين أن يثبتوا بأنهم لايقلون شعوراً بالمسؤولية الوطنية والقومية من كوادر الحركة السياسية، وهذا يتم عن طريق الحوار الجاد والمستمر وعن طريق فتح الآفاق الرحبة أمام الناقدين جميعاً، وعدم وضع قائمة سوداء بأسماء معيّنة أو لائحة نصائح طبية لهم وتحديد خطوط حمر لايحق لأحد تجاوزها، فالمثقف ليس بتابع وانما شريك، والحركة ليست بشرطي على الفكر والأفكار…والفكر لايمكن تخزينه في خوابي حزبية ضيّقة

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s