نظرات في النشاط الكوردي السوري -1- إشكالية العلم المرفوع

جان كورد، ‏21‏ كانون الأول‏، 2010

في أي نشاط سياسي أو ثقافي أو حتى رياضي وتجاري تلعب الرايات والرموز المرفوعة دوراً هاماً في مختلف هذه النشاطات. وكما قلنا سابقاً ولمرّات عديدة بأن للنوادي والجمعيات والمواقع الالكترونية والمنظمات السياسية وحتى الجماعات السرّية وكذلك الأحزاب السياسية والدينية أعلام ورموز، ليس في بلادنا فحسب وانما في شتى أنحاء العالم

ولقد تناهى إلى مسامعنا بأن جثمان كل من الشخصيتين الكورديتين البارزتين: الأستاذ رشيد حمو ومن قبله الأستاذ اسماعيل عمر، من كوادر الحركة السياسية الوطنية الكوردية البارزة والمتقدمة جداً، قد لف بالراية السورية التي يضطّهد في ظلها، منذ أن رفعت عالياً، شعبنا الكوردي أبشع اضطهاد… ولا أدري أكان هذا الفعل (لفّ الجثمان بالعلم الوطني) تنفيذاً لوصية من الفقيدين، أم أن رفاقهما الحزبيين قد قاما بذلك لأسباب سياسية. إلاّ أن الموضوع قد أثار في الشارع الكوردي مجدداً مسألة رفع الراية الكوردية في صراعنا السياسي من أجل انتزاع حقوقنا القومية التي نجدها عادلة ونؤمن بأنها عادلة

قبل كل حديث آخر، يجدر بنا التنويه إلى أن العلم القومي الكوردي هذا بألوانه الحمراء، البيضاء، الخضراء وبالشمس الوهاجة في وسطها يعود إلى زمن ما بعد الحرب العالمية الأولى، حيث رفعته جمعية ثقافية – اجتماعية كوردستانية في اسطانبول لدى طلبها ترخيص الجمعية من قبل السلطات الرسمية في المدينة…وهناك رأي يقول بأن هذا العلم يعود إلى مرحلة أقدم… وحقيقةً لا أدري عن ذلك ما أستطيع تقديمه بوضوح للقارىء الكريم، إلاّ أن هذا العلم رفرف على رؤوس كثيرين من قادة الكورد، الذين ضحوّا في سبيل شعبهم وقضيته العادلة بدمائهم الزكية، وبخاصة في حركة وثورة خويبون “الاستقلال” في  شمال كوردستان (1927-1930) تحت قيادة الجنرال إحسان نوري باشا، وفي جمهورية كوردستان (1946-1947) في شرق ايران التي كانت عاصمتها مهاباد، وسلّم رئيسها القاضي محمد قبيل القبض عليه ومن ثم اعدامه هذه الراية لجنراله العسكري البارزاني مصطفى ليتوّلى أمر حملها في كوردستان، ووفّى البارزاني الخالد بعهده، وهاهو يرفرف فوق برلمان كوردستان العراق، وفي شتى أنحاء كوردستان، امتزج حبها بحب التراب الوطني وتحوّلت ألوانها إلى رسوم فنية رائعة بأيدي فناني كوردستان الوطنيين، كما أنشد الشعراء أشعاراً خالدة باسمها، وكما قال أحد شبابنا البارحة :” إن العلم الكوردي يجري في دمي…”. وهناك أغاني كوردية كثيرة حول هذا العلم

ولكن، بسبب الظروف الذاتية والموضوعية المعقّدة التي تعيشها كوردستان، ومنها النتائج السيئة والسلبية لتقسيمها وتجزئتها، فإنّ الحركة السياسية لاتتصرّف حيال رفع العلم القومي كما يتصرّف الشارع الكوردي، وبخاصة في الأجزاء غير المحررة من كوردستان، في حين أن الأحزاب السياسية الكوردية في الجزء المحرر من كوردستان وخارج البلاد ترفع هذا العلم دون تردد ودون أي شك في أن رفعهم لعلمهم القومي شيء طبيعي، ونابع عن شعور عميق بأن الأمة الكوردية أمة واحدة، على الرغم من اختلاف وخلافات الحركة السياسية، وتخلّفها في هذا المجال عن الشارع الكوردي

هناك تفكيران غير متفقان بصدد رفع العلم الكوردي في المناسبات السياسية والوطنية، في مؤتمرات الأحزاب واللقاءات على صعيد النشاط السياسي في المجتمعات الحرّة الديموقراطية….ولكن هناك – سوى فئة قليلة جداً – من السياسيين الكورد، الذين يرفضون العلم الكوردي رفضاً تاماً، وإن وجد هؤلاء فإنهم لايتحدثون بذلك خوفاً من نقمة الجماهير الشعبية التي ستضع أسماءهم في سجل الخونة… كما أن هناك في الحركة السياسية الكوردية من حاول إيجاد بديل للعلم القومي الكوردي بذريعة أنه علم الرجعيين من أمثال القاضي محمد والبارزانيين، ففشل في ذلك فشلاً ذريعاً…. إضافة إلى تيار ما يسمى بعدم التخلّي عن الكبد والقلب معاً…وهذا ما سنوّضحه في السطور التالية على قدر الإمكان

هناك تفكير ينمو مع الأيام، يدعو إلى مصارحة الإخوة العرب وسواهم من السوريين بحقيقة المشاعر القومية المشتركة لأبناء وبنات الأمة الكوردية في شتى أنحاء كوردستان ومهاجرهم البعيدة والقريبة، أي بأن الكورد يطمحون إلى اقامة كيان مشترك لهم أسوة بشعوب العالم الأخرى، ولاتنفع صيحات التمسك بالكورد من أذيال أثوابهم والاصرار على ضرورة تخليهم عن طموحهم القومي هذا، كما لاتنفع التحذيرات والتهديدات والموانع من أن يفكّر كثيرون من الكورد على هذا المنوال، وتنضّم إلى هذا النمط من التفكير أحزاب كوردستانية ومنظمات وجمعيات وشخصيات وطنية هامة….

وهناك تفكير يقول بأن على الكورد إخفاء حقيقة مشاعرهم هذه، والستر على كل الأهداف الحقيقية، ورفع أعلام الدول التي تقتسم وطنهم كوردستان لأن الظروف الدولية غير مساعدة على الافصاح عن أي شعور قومي عام للكورد، بل ولفّ جثامين موتاهم وشهدائهم بأعلام الدولة التي تضطهدهم إيهاماً منهم للأنظمة المستبدة بهم، وحتى لاتغدر بهم أكثر مما غدرت حتى الآن. ومن أنصار هذا التفكير عدد كبير من السياسيين الكورد في حقيقة الأمر، لأنهم على عقيدة تقول بأن السياسيين يفهمون دائماً أفضل من الشعب…وهؤلاء يتوهمون أن أعداء الكورد وكوردستان سينخدعون بذلك التاكتيك الذي أثبت فشله في كوردستان العراق، حيث تعتبر كل التصرّفات الكوردية “انفصالاً في انفصال” و”علاقات مع الأجنبي لخدمة المصالح الأجنبية…” وآخر الاسطوانات سمعناها مما يسمى ب”هيئة علماء المسلمين في العراق (العربي)” بصدد تأكيد السيد البارزاني على حق الشعب الكوردي في تقرير مصيره بنفسه…وذلك على الرغم من أن برلمان كوردستان قد أقّر العمل والعيش ضمن العراق الموحّد على أساس فيدرالي، وعلى الرغم من أن مبادرة البارزاني لتوحيد الصف العراقي قوبلت من جميع الوطنيين والديموقراطيين بالترحاب وكانت مرتكز نشوء حكومة عراقية وطنية، ولكن مع ذلك لم ينفع الكورد شيء من هذا، فالكوردي “انفصالي يعمل لصالح اسرائيل” في عرف وفهم السياسة العنصرية أينما كانت

كما أن هناك التيار الذي يجد نفسه معتدلاً في هذا المجال، فلا يتخلّى عن القلب ولا عن الكبد في آن واحد، فينادي بحمل علم البلد الذي يعيش فيه الكوردي إلى جانب رايته القومية الكوردستانية، ولا يرى أي تعارض بين الرايتين فالأولى هي راية البلاد الوطنية والأخرى هي راية قومية كوردية، والقوم الكوردي في ممارسته لحقه في تقرير مصيره بنفسه يسعى للحصول على حقه المشروع هذا في إطار “حكم ذاتي” أو “نظام فيدرالي” أو “كونفيدرالي” مع شعوب البلدان التي يعيش فيها

وهكذا فإن الكورد في طاجكستان وقيرغيزيا وأرمينيا وسائر الجمهوريات التي نثرهم فيها ستالين الرهيب يحملون علم تلك البلدان بشكل ظاهر، ولكنهم لايتدفأون إلاّ بحرارة العلم القومي الكوردي في مناسباتهم القومية المختلفة، وكذلك الكورد في سائر المهاجر، وبخاصة في العالم الحر الديموقراطي، حيث يرفعون أعلام تلك البلدان مع علمهم القومي أثناء المسيرات السلمية الاحتجاجية ولايجدون في ذلك حرجاً، بل يعتبرون ذلك وفاءً منهم لتلك الدول التي منحتهم حق اللجوء والعمل، وهم كانوا هاربين دون حقوق في بلادهم التي جاؤوا منها… ومنهم من يتمعّض من حمل الراية الوطنية السورية التي يشعرون بالإذلال القومي في ظلها حتى الآن.

فلماذا تصبح الراية الكوردية القومية إشكالاً سياسياً في غرب كوردستان؟ وفي هذه المرحلة بالذات؟

برأيي: هناك عدة أسباب ودلائل، منها

-أعداء الكورد وكوردستان لايعترفون بوجود قومية كوردية فكيف يعترفون بوجود راية قومية للشعب الكوردي؟

-هناك خونة في صفوف الشعب الكوردي يبحثون لهم عن متاعٍ إلى حين لدى الأنظمة المستبدة بشعوبها وبالكورد، وهؤلاء يصبون الزيت على النار ويدبجون التقارير الكاذبة والمغرضة التي تصوّر الكوردي “أنفصالياً” مستعداً لحرق البلاد التي يعيش فيها، ولقد أثبتت تجربة شعبنا في اقليم جنوب العراق دجل ونفاق وكذب هؤلاء “الجحوش” الخونة

-الحركة السياسية الكوردية غير متفقة على برنامج وخطاب ومطلب قومي واضح في سوريا، وليست متفقة على رفض العلم القومي الكوردي أو رفعه في كل المناسبات القومية إلى جانب العلم الوطني السوري أو بدونه، كذلك ليست قادرة على طرح علم بديل، في حين أن هناك أحزاب سورية (غير كوردية) وضعت لنفسها مقترح علم جديد للبلاد يتضمن رمزاً أو رمزين يوحي بوجود غير العرب في سوريا، ومثالنا على ذلك حزب الحداثة والديموقراطية لسورية الذي يتفهم القضية الكوردية بشكل جيد وله رأي في موضوع حلها أيضاً وتحالف من قبل مع بارتي ديموقراطي كوردستاني سوريا وهو عليم براية الحزب ونمط تفكيره وهدفه القومي المعلن في سوريا…فكيف بهذه الحركة المضعضعة أو على الأقل غير المتماسكة سياسياً أن تقدّم طرحاً مقنعاً ومتفقاً عليه بصدد الراية المرفوعة. فهل الحركة مع رفع العلم السوري وحده، أم الراية القومية الكوردية وحدها، أم الرايتين الوطنية والقومية معاً، أم أنها ستطرح مشروع راية سورية جديدة تكون بديلاً عن الرايتين معاً؟

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s