ما سرّ قوّة النظام السوري في البقاء حياً؟

جان كورد

‏22‏ تشرين الثاني‏، 2010

اعتمدت الخلافة الراشدة على قاعدة أساسية في الحكم، ألا وهي الربط التام بين “الطاعة لله والطاعة للحاكم”، حيث قال الخليفة الأوّل (رض):” أطيعوني ما أطعت الله فيكم”… وقال الخليفة الثاني (رض): “إن وجدتم فيّ اعوجاجاً فقوّموه” والقصد منه اعوجاج في تنفيذ الشريعة الالهية، فأجابه أحدهم:”والله سنقوّمه بالسيف إن وجدنا فيك اعوجاجاً” …والخليفة الرابع (رض) حكّم القرآن الكريم بينه وبين معارضيه، حتى في ساحة القتال… ولكن هذا لم يمنع الناس من القيام باغتيال ثلاثة من أصل أربعة منهم…مع اختلاف في الأسباب والظروف التي تمّت فيها تلك الاغتيالات السياسية

ومن بعد ذلك صار الحكم ملكاً عضوضاً، واعتمد الملوك الأمويون والعباسيون على ذرائع دينية وعصبية وفي انتهاج سياسة البطش والتنكيل والقتل الجماعي والتعذيب الوحشي وقمع الثورات، للاستمرار في حكمهم وفي توريثه، فمنهم من تذرّع بحق قبيلة قريش في الولاية دون غيرها، ومنهم من قال بأن الولاية تبقى في أهل البيت النبوي إلى قيام الساعة، ومنهم من اعتمد في دعواه على حق القوّة في فرض الأمن والاستقرار ودوام السلطان، إلآّ أن الجميع كانوا يحومون حول “الحق الإلهي” مثلما تلت الأنظمة الملكية في أوروبا بعد ذلك بقرون، وبخاصة قبل اندلاع الثورة الفرنسية بقرنٍ أو قرنين، تلك الثورة التي كانت في الحقيقة ثورة “الفلسفة والحكمة” على السلطان الدنيوي للملوك والسلطان الديني للكنيسة الكاثوليكية، أي أنها كانت ثورة على “التاج والمذبح” معاً… واعتمدت النظم الملكية بشكل تام في سجالها العنيف ضد الثورة على حقها الذي وهبها الله اياه في امتلاك السلطان والثروة وتوريثه للأبناء والأحفاد، دون أي محاسبة أو مقاضاة من جهة الشعوب المحكومة من قبلها

استمر هذا الزعم الملوكي في امتلاك الحق الطبيعي بعد الثورة وحتى اليوم في صور وأشكال متنوّعة، ولكن هدف الملوك هو ذاته لم يتغيّر: الحكم على الشعب وباسمه دون محاسبة…إلاّ أن الضغط الشعبي العارم من الأسفل، وقيام عدة ثورات وحروب وأزمات اقتصادية متلاحقة في أوروبا، قد أجبر هذه النظم على التخلّي عن كثير من حقوقها (!) للسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، حتى صارت بعض الملكيات مجرّد رموز شكلية لا أهمية ولا قيمة حقيقية لها، تعيش متطفّلة على شعوبها، ولكن ليس لها سوى القليل جداً من الصلاحيات الجادة في البلاد

أمّا الاتجاه الديموقراطي الذي نجم عن الثورة رغم كل المشاكل والتضحيات الكبيرة التي رافقتها، ورغم السجل الدموي لبعض رموزها وقادتها العظام، فقد ظلّ ولا يزال يعتمد على القوّة الانتخابية للشعب، على صندوق الاقتراع، ولايسمح لأحد بتولّي شؤون البلاد دون أن يحصل على توكيل أو تفويض من الشعب، صاحب الحق الأساسي في حكم نفسه بنفسه

ولكن هذا النظام الحاكم في سوريا، ليس بملكي ولا ديموقراطي، فكيف يظل حياً حتى بعد عقودٍ متتالية من هزائمه وضعفه الاقتصادي وانهياراته الداخلية وتقلباته ذات اليمين وذات الشمال، ويستمر في حكمه ويورثه أيضاً؟

معلوم تماماً أن مؤسس الدولة الأسدية كان ضابطاً في الجيش السوري، انتسب إليه نتيجة فقر مدقع في قرية من قرى جبال العلويين التي كانت مغيّبة سياسياً في تاريخ البلاد، فلم يجد أبناؤها المحرومون من كثير من حقوقهم الإنسانية آنذاك سوى الجيش نافذة يتسللون منها إلى البيت السياسي الحاكم في دمشق…ثم تدرّج هذا المؤسس الأسدي في مناصب عسكرية وحزبية، مستعيناً برفاق وزملاء حميمين غدر بهم ورماهم في السجون إلى أن ذابوا في الأرض كما يقال،  فأصبح من أهم رجالات البعث “التقدمي” و”الاشتراكي”، وقاد بعد ذلك “حركة تصحيحية” رفعته من وزير للدفاع إلى رئاسة الجمهورية ليبقى ردحاً طويلاً من الزمن، إلى أن وافته المنية مع انتهاء القرن العشرين، لم يجر في يوم من أيام حكمه أية انتخابات ديموقراطية نزيهة، بل كان على المواطن أن يقترع له فقط بين “نعم” و “لا”، وقصص التزوير في تلك الاقتراعات مضحكة ومبكية حقاً… وفي النهاية سلّم أتباعه المخلصون له، كرهاً أو طوعاً، مقاليد السلطة لنجله الطبيب وهو لايزال في الرابعة والثلاثين من العمر، كما سلّموه رقابهم ورقاب شعبهم بالكامل،  وهم عالمون بأنّ هذا مخالف لدستور البلاد ولتقاليد الحكم في البلاد منذ الاستقلال… فاندفعوا مضطّرين إلى تعديل الدستور لينطبق على وضعه، وليصبح القائد العام للجيش والقوات المسلّحة بكل النياشين العالية الرفيعة، والأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي ورئيس الجبهة الوطنية التقدمية، متخطياً الصقور الهرمة في الدولة والحزب والجيش، وهو لايزال غضاً في مختلف الشؤون… ولكن النظام ليس نظاماً ملكياً حتى يعتمد فيه الابن على مبدأ التوريث كما ابتكر البعثيون من عبقريات أفكارهم الجمهورية والثورية، كما أنه ليس بديموقراطي حتى يختال بأغلبية الأصوات التي حصل عليها من شعبه

لايختلف اثنان على أن سرّ بقاء هذا النظام هو أسلوب الحجاج الثقفي في الإدارة، والأنظمة الشبيهة بنظامه في دكتاتورياته هي أنظمة بلا معارضات، وإن وجدت فهي مبرمجة أو مكبّلة بسلاسل قوية وطويلة أحياناً، وقد تظهر شخصيات بطولية رغم ذلك، مثل البروفيسور عارف دليلة ورياض سيف وشيخ الحقوقيين هيثم المالح والسياسيين الكورد حسن صالح ومصطفى جمعة والمثقفين الكبار من أمثال مشعل تمو وغيرهم كثيرون فيكون مصيرهم الاعتقال والتعذيب والابادة، أو أنها شخوص كارتونية تحرّك من وراء الكواليس الرسمية للنظام، ولايبقى أمام المعارضين والمثقفين من أمثال الدكتور عبد الرزاق عيد وزهير سالم ومحمد مأمون الحمصي، والمنشقين عن النظام كالأستاذ عبد الحليم خدام وغيره، وكوادر النضال الكوردي وسواهم، سوى الفسحة المتواجدة في المهاجر البعيدة، وهي أيضاً تعجّ بأزلام النظام وعملائه وتضيق يوماً بعد يوم على المعارضين الحقيقيين…

أسلوب الحكم والادارة، الخالي تماماً من أي مواصفات ديموقراطية، أو من سعة الصدر ومن الشهامة الملكية التي نجدها لدى بعض الملكيات العريقة، هو السرّ في بقاء هذا النظام وأمثاله في عالم العولمة والقرية الدولية الكبير…لا محبّة الشعب، ولا صندوق الانتخاب، ولا أي تفويض حقيقي من الغالبية، وانما أجهزة الدولة السرّية والعلنية، المعروفة بارهابها الفظيع وكتمها للحريات وقمعها للمجموعات المناهضة للنظام، هي التي تضمن بقاء الحاكم في منصبه الهام…

بالمناسبة، أستغرب كيف يزعم كوردي يعيش في بلاد ديموقراطية مثل كندا – مثلا ً- أن النظام السوري الحاكم يتعامل ديموقراطياً مع قادة حركته ومع الأحزاب السياسية، فيتم الخلط بين الديموقراطية كأسلوب في الحكم وبين مدّ سلاسل التقييد والعبودية بعض الشيء لامتصاص نقمة الشارع الكوردي، أم أن هؤلاء  يبحثون لهم بهذا الثناء على “الديموقراطية السورية ذات المؤسسات التشريعية!” وبهذا التواطؤ مع نظام دكتاتوري متخلّف عن وظيفة مرموقة لهم في هيئة الاذاعة والتلفزيون السورية ومؤسسة السينما بدمشق بعد أن ينتهوا من دراستهم في هذه البلدان العريقة في الديموقراطية؟

هذا النظام لم يقدّم أي إنجاز اقتصادي أو حربي أو مالي لشعبه، وتعرّض لهزيمتين، إحداهما في الجولان والثانية في لبنان، وقصفت اسرائيل منشآته فلم يحرّك ساكناً سولى التهديد بالانتقام عن طريق حزب ألله أو حماس، وليس لديه للعطاء سوى بعض فتات الخبز المتناثر من أفواه أصحاب الجاه والثروة، يصرفها الرئيس على شكل هبات وعطاءآت كريمة منه للموظفين الذين يمتهنون الرشوة في معظمهم حتى يعيشوا عيشة راضية مرضية، ولا يخفون ذلك عن أحد…هذا النظام قد خلق شرخاً كبيراً بين الشعب الجائع الفقير وبين أتباعه المترفين المنغمسين في الملذات والمتورطين معه في إرهاب منظّم طويل الأمد لن يصمد دون ارتكاب مختلف صنوف الخروقات ضد حقوق الإنسان، وهذا يعني بناء جيش كبير من العملاء ورجال التحقيق ومحاكم التفتيش الحزبية والعسكرية والأمنية وعدد كبير من السجون والمعتقلات العلنية والسرّية، إذ بدون هذا الأسلوب القمعي الشديد لن يتمكّن من اسكات الشعب واقصائه من الحياة السياسية

وهنا يجدر بالذكر أن جهات عربية قدّمت مليارات الدولارات منذ عام 1970 لهذا النظام الأسدي – البعثي لعدة أسباب منها زعمه أنه يعيش في خطر مستديم على حدود الدولة العبرية وأنه يحضّر نفسه لحرب تحرير مقدسة وشاملة، ومنها مخاوف تلك الدول العربية وأنظمتها من اللسان السليط لحزب البعث ومؤامراته ودسائسه ومغامراته ضدها، وهناك دول شرق – أوسطية تسانده منذ ذلك الحين وإلى الآن بالمال والسلاح والخبرات السرّية وبالشباب مؤخراً، لأن هؤلاء يرون في سوريا نقطة عبور لهم صوب البحر الأبيض وعلى شواطئها التي تمتد إلى مصر عبر اسرائيل فهم لايزالون يحلمون باعادة بناء دولتهم الفاطمية هناك، تلك التي هدمها لهم السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي، كضرورة من ضرورات الكفاح ضد الغزاة الصليبيين في المنطقة…

ولكن، لماذا السكوت عنه في المجتمع الدولي، وفي العالم الحر الديموقراطي بالذات؟

الجواب عن هذا بسيط وواضح: الدنيا مصالح، ويمكن أن تتعامل الدول العظمى مع أعدائها في نقاط معينة وتعاديها في أخرى، والنظام يؤدي واجبه في تحقيق أمن واستقرار من يهم المجتمع الدولي أمنه واستقراره في المنطقة… وهناك أنظمة في المنطقة باقية قيد الحياة لأنها تمدّ بعض الدول الكبرى بالبترول أو الغاز أو كليهما، وتشتري سلاحه بالمليارات دون أن تكون في وضع حرب مع أحد من جيرانها، ومنها من هو ضد بعض الدول الكبرى في كل شيء، وتحاربها إعلامياً كل ساعة ومع ذلك تتفق معها هذه الدول الكبرى على كثير من السياسات المتعلّقة في المنطقة… فهذه الوجوه المتعددة للسياسة الدولية معروفة

إذاً، هناك سرّ آخر غير أسلوب الحكم الدموي الذي يطحن كل معارضة، وهو الدعم الذي يلقاه النظام في صورة “دعم الأمن والاستقرار في المنطقة”، وإلاّ لكانت جثة هذا النظام هامدة تفوح منها الروائح الكريهة منذ أمد بعيد

ولذا على الشعب السوري التوجّه بخطابه إلى وعي الشعوب في شتى أنحاء العالم، وعلى المعارضة الوطنية – الديموقراطية التي فشلت أطراف منها في كسب ودّ النظام رغم كل تنازلاتها وعروضها، أن تبيّن للعالم الحر الديموقراطي، إن كان يريد الأمن والاستقرار حقاً، أن هذا النظام ليس عنصر أمن واستقرار في المنطقة، وإن كانوا لايصدقون فليسألوا عن ذلك أصدقاءهم السادة حسني مبارك ونوري المالكي وسعد الحريري ومحمود عباس، ولا حاجة للدخول في التفاصيل هنا… وأن هذا النظام يعمل في عكس الاتجاه لمبادئهم وتصوراتهم عن الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان، إن كانت فعلاً مبادىء وقيم إنسانية

على السوريين الاعتماد بالدرجة الأولى في كفاحهم من أجل الحرية والديموقراطية على القوّة الذاتية التي لاتتحقق دون تعاون وتنسيق وتقارب وتفاعل في صفوف المعارضة الوطنية – الديموقراطية المؤمنة بضرورة التغيير والساعية لذلك بجدية ودون تردد وعلى أساس احترام حقوق الأطراف المختلفة في اتخاذ القرار المشترك الضامن لحقوقهم جميعاً، وهذا لايعني أبداً إهمال الأصدقاء، بل على العكس من ذلك يجب توسيع دائرتهم، فتاريخ الشعوب يثبت أنه لم يتحرر شعب من الشعوب دون دعم وتأييد أصدقائه من محبي الحرية والمدافعين عنه في العالم، حتى شعوب بلدان عظيمة كالصين والهند أيضاً

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s