!…الكورد والوطن المشترك

((لنقل الحقيقة لشركائنا العرب مهما كانت مريرة))

جان كورد، ‏19‏ تشرين الثاني‏، 2010

يسميه الحداثويين ب”الوطن النهائي” للكورد، في حين يسميه الكوردستانيون ب”الجزء الغربي من الوطن الأصيل”، ولكن لا هذا ولا ذاك يغيّر من الحقيقة على الأرض، فالحقيقة هي التي نطقت بها جهة من الجهات في الأمم المتحدة مؤخراً وتقول بأن مئات الألوف من الأكراد محرومون من حقوقهم – والمقصود حقوقهم كبشر- بما فيها حق الرعاية الصحية…ويبدو لي هذا الاكتشاف المتأخر غريباً حقاً لأنه يأتي بعد عقودٍ طويلة من دوام واستمرار سياسة العسف بحق الكورد وحرمانهم من حقوقهم…فهل كانت “الأمم المتحدة” نائمة حتى الآن، أم أن مصير الشعب الكوردي لايساوي في نظرها جزءاً بسيطاً من مصائر الشعوب الأخرى التي تتحدّث عنها باستمرار وتصدر بصددها القرارات الدولية؟ أم أن وراء الأكمة شيء لا نعرفه بعد؟ ومهما يكن فإن هذه الحقيقة تفضح نظام الأسد المتشدّق صباح مساء بالدفاع عن حرية الشعوب في المنطقة… وحبّذا لو نطق بها أحد آخر سواء في اجتماعات القمة للجامعة العربية وفي مؤتمرات منظمة الدول الإسلامية وسواهما

الحقيقة على أرض الواقع، أرض هذا “الوطن المشترك!” تقول بأنّ المواطن الكوردي صار دجاجة تبيض ولاتستفيد من بيضها أبداً، حيث يستولي عليها أهل الحكم وحاشيتهم المتخمة المترهلّة وموظفو إدارتهم الفاسدة التي تفوح منها روائح كريهة ولاتقوم بأي واجب في المناطق الكوردية إلاّ بعد تغذيتها برشوات دسمة، حتى أن تسجيل عقارٍ من العقارات البسيطة لعائلة قروية يتطلّب موافقة من “جهاز الأمن السياسي”، وهذا يعني تسديد غرامة “عدم الولاء للوطن المشترك!”، وبخاصة فإن على صاحب العقار، إن كان يعيش في المهاجر أن يدفع أكثر بكثير من الذي يعيش في هذا “المشترك”… وهذا أقوله عن معرفة وليس مجرّد ظن أو اتهام… وفي نظري لا يمكن لمسؤول في فرع للأمن السياسي في مدينة مثل حلب مثلاً أن يفرض أتاوة على مواطن أو مواطنة كوردية سورية بدون علم أو موافقة مسؤوله الأعلى في دمشق، لأن المخابرات تراقب بعضها بعضاً، والمسؤول الدمشقي الأعلى هو بالتأكيد من أركان النظام، أي أن النظام المسؤول عن قيادة هذا “الوطن المشترك” عامل في عكس الاتجاه لحماية هذا الوطن، ومساهم بقوّة في تفتيته وضرب مكوناته بعضها ببعض واثارة النعرات الطائفية والقومية المتعاكسة، ولابد أن يفعل السوريون المؤمنون حقاً بهذا “الوطن النهائي للكورد” أو ب”الوطن المشترك” شيئاً حتى يمكن القول عنهم بأنهم مؤمنون بما يقولون صدقاً، قولاً وعملاً…

في هذا الوطن المشترك يرسل الكوردي فلذة كبده، ولده من دمه ولحمه ليقوم بواجبه وخدمته الالزامية في الجيش “العربي!”، ليعود قبل انتهاء خدمته جثّة مضرّجة بالدماء، ليس لأنه حارب في الجولان بهدف استرداد جزء سليب من وطنه المشترك، وانما في ثكنته العسكرية لأنه أغتيل على أيدي رؤسائه في وضح النهار… والكذبة الكبرى هنا تقول بأن كل هؤلاء الشباب الكورد (أكثر من 40 شاباً حتى الآن) قد انتحروا…فبالله عليكم! كيف يمكن لمنتحر أن يطلق عدة رصاصات على نفسه، واحدة بعد الأخرى؟ ألا تكفيه رصاصة واحدة؟ ولماذا يطلق بعضهم الرصاصة على رأسه من الخلف وليس من أمام؟ وكيف يعذب نفسه بالسياط والحرق واللكم حتى يموت، دون أن يراه أحد من زملائه وأقرانه؟

أليس في تصرّفات وسلوكيات ضباط جيشنا “العربي!” هذا دعوة صارخة لشباب الكورد لأن يهربوا من البلاد، وبذلك يقّل عدد أبناء قومهم (وهم في غالبيتهم من المسلمين السنّة) مقابل ارتفاع عدد الشباب الشيعي المهاجرين أو المجلوبين إلى سوريا من بلدان خليجية ومن العراق وايران؟

أهذا وطن مشترك؟

أم أنها خرافة حفرت في عقول الكورد، بهدف ايهامهم بأنهم كانوا بلا وطن قبل تعرّفهم على هذا “المشترك!”؟

في هذا الوطن المشترك “الأبدي والنهائي!”، يولد الكوردي ويعيش ويموت، دون أن يتعلّم لغته الأصلية في المدرسة، وهذا حق إنساني لكل البشر أينما كانوا، إلآّ في سوريا والدول الأخرى التي تحرّم على الكوردي دون غيره من تعلّم اللغة الأم، وهي اليوم ايران وتركيا… وفي هذا الوطن المشترك لايستطيع أهل قرية من قرى الكورد الاحتفاظ بالاسم الكوردي لقريتهم، فتصبح  نازان “المدللة” و تربا سبي “قبور البيض” و عفرين “العروبة” و جبل الأكراد “جبال حلب” وتتحوّل حيفا ويافا من فلسطين إلى الجزيرة في أقصى الشمال الشرقي للوطن المشترك لتأخذ مكان أسماء كوردية… فأي وطن مشترك هذا؟

في هذا الوطن المشترك، يعتقل الكوردي بسبب انتمائه لحزب سياسي يحلف صباح مساء اليمين الغليظة على صدق وطنيته ونبذه للطائفية، واستعداده للمساهمة بعزم في كل حروب التحرير، وتقرأ عليه التهمة “العمل على اقتطاع جزء من الوطن وضمه إلى دولة أجنبية!”، ولكن لا يذكر الاتهام التعبان هذا اسم تلك الدولة الأجنبية، أهي جمهورية الصين الشعبية، أم جزر الماوماو أم الدولة الكوردية على سطح المريخ…؟ ثم عندما يقضي الكوردي عقوبة سجنه البغيض فإنه يحرم من كافة حقوقه المدنية، وهذا يعني حق العمل والانتخاب والسفر و…و… بل إن هناك مئات الألوف من الكورد بلا “هوية شخصية” في هذا الوطن المشترك الذي ولدوا فيه، دون اتهامات قضائية أو عقوبات سجن، وذلك فقط لأن الجنسية السورية انتزعت ظلماً وعدواناً ولأسباب عنصرية، وديموغرافية – سياسية من آبائهم أو من أجدادهم السوريين.

الوطن يكون مشتركاً أو نهائياً عندما يتساوى فيه البشر، بغض النظر عن أديانهم وأجناسهم وألوانهم، في الحقوق والواجبات، ويسوده مناخ للحريات، ولاتنتزع من الناس لقمة عيشهم عن طريق الأتاوات والرشوات، ولايقتل أبناؤه على الهوية…وهو الوطن الذي يشعر المرء فيه بالأمن لا بالهوان.

الوطن يكون مشتركاً ونهائياً عندما يتمكّن المرء فيه من التعبير عما يجول في خاطره من أفكار، ولايخاف فيه من ابن جاره الشرطي، ولاتسلبه دوره أمام الأفران خادمة رجل الأمن السياسي في الحارة، ولا تمزّق من المجلات المستوردة تلك الصفحات التي فيها نقد للنظام أو تتحدّث عن مشاكل البلاد

قد يقول قائل: العربي يعاني مثل الكوردي… وهذا غير صحيح

القرية العربية تحمل اسمها العربي، والمواطن العربي يوصف بأنه عربي في سائر السجلات الرسمية، ويتعلّم أبناؤه بالعربية في المدرسة، ولايقتل أولاده في الخدمة الالزامية لأنهم عرب، ولاتنتزع منهم الدوائر الحكومية كل هذه الأتاوات وبشكل سافر وحقير للغاية كما يحدث في المناطق الكوردية في شمال البلاد، والعربي يجلس مساءً ليتمتّع برؤية مسلسلات يفهمها بالعربية، أمّا الكوردي فمحروم من كثير مما يتمتّع به العربي، فكيف يقول بعد ذلك بأنه مواطن في هذا “الوطن المشترك!” أو هذا “الوطن النهائي!”؟

قد لاتكون هذه مشكلة بالنسبة للمواطن العربي لأنه لا يعاني منها يومياً، ولكنك تجده يغضب بشدة عندما يستمع لتأوات إخوته الفلسطينيين، في حين أنه يتخذ موقفاً لايغاير موقف أهل النظام عندما يتعلّق الأمر بجاره الكوردي في هذا “الوطن المشترك”.. بل من هؤلاء “الديموقراطيين!” من يشير باصبع الاتهام صوب الكوردي على أنه يعمل لنسف الوحدة الوطنية والمصير المشترك! ومع الأسف ينحاز إلى هؤلاء بعض أكرادنا “الأكثر وطنية وديموقراطية!” أيضاً

لابد من أن يفعل أرباب الوطنية الشبعانة هؤلاء شيئاً في عكس اتجاه السياسة العنصرية للنظام تجاه الكورد، وإلاّ فإنهم مشاركون ضمناً وعملياً في خوزقة هذا الوطن المشترك… وانهم يدفعون بالكوردي إلى الالتفات صوب وطنه الأصيل، وبالتالي يفقد صلته بهذا المشترك يوماً بعد يوما… والواقع يؤكّد بأن الكوردي السوري صار مهتماً بأجزاء كوردستان الأخرى أكثر من اهتمامه ب”المشترك” منذ أمدٍ طويل، والذي لايصدّق زعمي هذا فليجرِ استفتاءً حول الموضوع بين الكورد السوريين على الشكل

من يثير اهتمامك أكثر، البارزاني والطالباني، أم الأسد والعطري والمعلّم؟

أي قضية أهم بالنسبة إليك: كركوك أم مزارع شبعا وقضية الغجر؟

هل أنت مستعد للذهاب إلى القتال من أجل تحرير آمد (ديار بكر) أم فلسطين؟

هل وطنك كوردستان أم سوريا؟

وستجدون كيف يفكّر الكوردي، وما اهتماماته الحقيقية… برأي السّر في ذلك هو أن النظام قد ساهم بقوّة في التفريق بين الكوردي وبين “المشترك” من خلال سياساته العنصرية المتخلّفة الضارة بسوريا تماماً

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s