نعم، أنا مستعد للعودة إلى سوريا…ولكن

جان كورد، 17/11/2010

الطيور المهاجرة بحثاً عن الغذاء، أو هرباً من تقلبات الجو، من البراكين ورمادها القاتل، أو من الشتاء الزمهرير، أو بسبب الحروب البشرية التي تعكر عليها صفو الحياة، تعود من جديد إلى مواطنها الأصلية، مهما غابت وابتعدت عنها، وكذلك الأسماك والحيتان في البحار والمحيطات العميقة الواسعة، تنتقل آلاف الأميال صوب المياه الدافئة، ولكنها تعود، ولا أحد يعيق عودتها أو يقف في طريقها لمنعها من التلذذ ثانية بالعيش في أوطانها التي ولدت فيها، أما بنو الإنسان  فإنهم قد لايعودون أبداً، وبخاصة إذا كانت وحوش مفترسة تنتظرهم هناك، لتقضي عليهم تعذيباً أوارهاقاً في المعتقلات… وهناك من يعود أخيراً، ولكن في تابوت صامت بارد…

هذه مصيبة كبرى للآلاف من أبناء وبنات الشعب السوري، من مختلف مكوناته الاثنية والدينية، من سائر طوائفه ومذاهبه ومعتقداته الفكرية…

ورغم دوام هذه المصيبة منذ أن ابتلى الله تعالى هذه البلاد السورية بحكم حزب البعث العربي الاشتراكي وزبانيته في النصف الثاني من القرن الماضي، وإلى الآن، حيث تناوبت على السلطة مجموعات جزارين وسفاحين ومجرمين، قتلوا ولا زالوا يقتلون من هذا الشعب ويعذبون ويرهبون، فإن بعض السوريين من منتسبي “المعارضات” الهرمة، التي ذاقت آلام الغربة بشكل لايوصف، تسعى للعودة، لترقد في مقابر ذويها وأقربائها وأحبابها، في تراب الوطن العزيز، إلآّ أن النظام لايبدي أي شفقة أو رحمة تجاههم، ولا يريدهم في البلاد، إلاّ بعد أن يقدموا له صكوك الولاء ويتوسلوا له تائبين عما فكروا به أو فعلوه أو قالوه سياسياً في أيام شبابهم… وهنا الطامة الكبرى…ومثل هؤلاء من انتهت فترة عقوبته في السجون الرهيبة للبلاد، ومع ذلك لايسمح له النظام سوى بقضاء أيام قلائل حياً قبل رحيله النهائي…

وفي مثل هذه الأوضاع البائسة حقاً، يتحدث بعض الذين فقدوا آمالهم بأي تغيير حقيقي في نظام الحكم في سوريا، عن “حوار جادٍ ومتحضّر!!!”، ولكن مع من؟

فهل النظام مؤهلٌ للحوار؟ أو هل هو مستعد له؟ وما درجة استعداده هذه؟ وما الدلائل الحقيقية لاستعداه للتصالح مع شعبه ولقبول معارضة في البلاد؟

كل أنظمة الدكتاتوريات العسكرية، الاشتراكية والشيوعية، تغيّرت، وتحولّت بلادها إلى دول ذات أنظمة ديموقراطية، أو أنها على الطريق الصحيح لتحل العملية الديموقراطية محل النزوات الدكتاتورية لحكامها، ومنها من قضى على دكتاتوريته بالقوّة، وجرّها في سلاسل العار إلى محاكمات مجرمي الحرب، أو قامت وانتفضت بثورات “برتقالية” و “بنفسجية” و “خضراء”… إلاّ سوريا هذه، التي تبدو وكأن العالم كلّه لايريد لنظامه المتخلّف اجراء أي تغيير على سياساته، أو تسعى للابقاء عليه، وإلاّ فلماذا الحديث المتواصل عن استعداد هذه الدول الكبرى للدفاع عن الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان في كل البلدان، وتهمل سوريا في الوقت ذاته إهمالاً عجيباً؟

طبعاً، كل السوريين الذين يعيشون خارج الوطن يحبّون عدم الانقطاع عن أهلهم وأرضهم، ومنهم من فعل المستحيل ليمتلك حق السفر إلى الوطن والخروج منه، دون متاعب، وذلك من خلال الانتساب إلى جمعيات تابعة للنظام، منتشرة في شتى أنحاء المعمورة لضبط ومراقبة المواطنين المهاجرين واللاجئين وافراغ شتى المعارضات الوطنية والديموقراطية من مضامينها السياسية وتجريدها من أسلحتها، فرضي بعضهم، بل أكثرهم بذلك، وساهم في سياسات النظام، وركن إلى الظلم المنهي عنه، ومنهم من خفف من لهجته المعارضة للنظام عساه يرحم ويشفق ويفتح لهذا النوع من المعارضين بوابات الحدود، ويسوقهم كالأغنام إلى مراعيه، دون أن ينطقوا ببنت شفة في مجال السياسة بعد عودتهم…

ولكن، من السوريين من أبدى استعداده للموت في المهاجر، دون أن يصبح جزءاً من هذه الفئات الضعيفة والفاقدة أملها، والعاجزة عن مقاومة إغراءات النظام، فآثر تحمّل آلام الغربة، وعنصرية الأقوام التي يعيش بينها في المهاجر واستهتارهم به كأجنبي، وعانى من شظف العيش ولكنه فضّل ذلك كله على العبودية السياسية التي سيموت أو يعيش فيها في بلاده…

كما أن هناك من يضع شروطاً، وبدونها لن يفكّر يوماً من الأيام بالانضمام إلى أسراب العائدين…ولقد التقيت بمواطن سوري، كردي القوم، نهشته الأمراض، ويعيش منذ أمد طويل في المهجر، فسألته:

“-ألم يحن الوقت للعودة؟”

فتأوّه ثم أجاب بصوت ضعيف:”-أنا أعود في أحلامي إلى الوطن كل مرّة…غربتي طالت أكثر مما توقّعت بكثير…”

سمعت أنك تتحدّث عن شروط كشرط بني اسرائيل على نبيهم موسى عليه السلام، حيث قالوا بأنهم لن يدخلوا الأرض التي وهبهم ألله إياها حتى يخرج منها القوم الجبارون… فأجاب:

“- لا…أنا لا أقول بأن يزول هذا النظام ثم أعود، وانما لي شروط، بوجوده أو دون وجوده؟”

“- حقاً؟”

“-أنا أطالب النظام أن يعترف علناً أمام الرأي العام بأن في سوريا شعب كوردي يشكّل أحد المكونات الأساسية في البلاد، وله الحق الدستوري في أن يدير ذاته في إطار كالحكم الذاتي او الفيدرالية، ضمن وحدة البلاد. وعلى النظام أن يدوّن اعترافه هذا في مرسوم تشريعي أو تعديل دستوري.”

“- وماذا بعد؟”

“-أن يلغي النظام كل القوانين والاجراءات والمراسيم والسلوكيات التي تؤدي إلى الاعتقال الكيفي للمواطنين، وتسمح بالتعذيب والاهانة للمواطن، وأن يلغي كل المحاكم غير التي تتطلبها الحياة القضائية السليمة، وتسمح للمواطنين بمقاضاة من يمارس التعذيب ويقضي على كرمة المواطنين في السجون…وهذا لايصبح مؤكدا بوجود كل فروع المخابرات والأمن السياسي هذه، فهنا يجب اجراء تغيير بنيوي وشامل في النظام البوليسي للدولة.”

“- وهل هناك شرط آخر لك؟”

“- طبعاً ياأخي…أنا أطالب بانتخابات ديموقراطية نزيهة في البلاد لانتخاب برلمان دستوري شرعي، لا كما هوالحال الآن أو كما كان من قبل، وذلك تحت اشراف دولي كما يحدث في سائر دول العالم الثالث والثاني…”

“- شروطك ومطالبك عادلة وديموقراطية، ولكن هل أنت واثق من أن النظام مستعد لتنفيذ هكذا شروط، حتى تعود سيادتك إلى الوطن؟”

“- ياعزيزي، الدنيا مواقف، والأوطان التي لاترفرف عليها رايات الحرية ولاتصان فيها حقوق الإنسان جملة وتفصيلاً، ليست سوى مقابر واسعة، وبالنسبة لي لا أرى أي فارق بين أن أدفن في مقبرة في بلاد الحرية وبين حياة بلا حرية في وطن مقبور…لايهمني ماذا يفعل سواي لكي يعود، وما يهمني هو أن أتصرّف وفق مبادئي…فإذا تحققت شروطي أعود مهرولاً، وإذا لم تتحقق أموت هنا، أو في ناحية أخرى من هذا الكون…لايهمني…”

قال جملته الأخيرة وقطرات دمع تلتمع في عينيه… فتركته وهو يتأمّل سفينة تمخر نهر الراين، مخافة أن أزيده ألماً بأسئلتي…

ثم نظرت إلى ما حولي، وإلى مقبرة بعيدة تظهر شواهد قبورها المحفوفة بالزهور، وشعرت باحباط كبير لأنني لم أجد جواباً بعد لسؤال طرح نفسه عليّ فجأة:

“- وأنت؟”…

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s