المبادرة البارزانية لترميم البيت الكوردي بعد المبادرة الظافرة لتوحيد العراقيين

جان كورد، ‏11‏ تشرين الثاني‏، 2010

كورد سوريا لا يقلّون حاجة عن عرب العراق إلى مبادرة بارزانية جادة وحاسمة في مجال جمع شملهم وتوحيد قواهم ضمن البيت السوري،  وفي سبيل بناء معارضة ديموقراطية وطنية شاملة لنظام لايعترف حتى الآن بالوجود القومي الكوردي في سوريا

قبل كل شيء يتحتم علينا التوجّه بالشكر والامتنان للأخ المناضل السيد مسعود بارزاني لنجاحه في انجاز جانب كبير من الوحدة الوطنية العراقية بمبادرته التي دعا إليها سائر القوى السياسية الأساسية في البلاد، فلبّت دعوته صوب عاصمة الاقليم الكوردي هولير (أربيل)، وتلى ذلك أن العاهل السعودي، حامي الحرمين الشرفين، سعى بجدية ووضوح إلى دعم مبادرته الكريمة، كما تلقّى الدعم والتأييد من سائر أصدقاء الشعب العراقي، وفي العالم الحر الديموقراطي بشكل خاص، وعلى أعلى المستويات الدولية، مما أنجح عودة البرلمان العراقي، بعد شهور طويلة من انتخاب أعضائه، وتعثّر أو تعطيل أعماله، إلى الاجتماع مجدداً، وانتخاب السيد مام جلال طالباني رئيساً لدورة ثانية انتخاباً ديموقراطياً، ومن ثم قيام الرئيس بأداء القسم الدستوري وتكليفه السيد نوري المالكي بتشكيل حكومة مشاركة وطنية… وذلك على الرغم من انسحاب كتلة “العراقية” التي يترأسها السيد إياد علاوي من الجلسة الأولى للاجتماع التاريخي هذا، نظراً لبقاء غالبية أعضاء البرلمان حاضرين وأدلوا بأصواتهم لانتخاب رئيس للبلاد

وفي الحقيقة فإن تهرّب “العراقية” من مسؤوليتها التاريخية في هذه الفترة بالذات سيعود عليها وعلى الشعب العراقي بخسارة لاتعوّض، وقادتها هم الذين يتحملون مسؤولية تسرّعهم الخاطىء…أكثر بكثير ممن التزم بالدعوة لعقد الاجتماع البرلماني بالتأكيد، مهما كانت ذريعتهم في الانسحاب من الاجتماع الأوّل قوية

إنه حقاً انتصار ملموس لشخصية السيد البارزاني، ودعم مؤكّد للرئيس العراقي، السند الأكبر لوحدة العراق، وللوجود الكوردي كمكوّن أساسي في سياسة العراق المستقبلية، بحيث لم يعد لأحد اتهام الكورد أو زعماءهم بالعمل على تقسيم العراق… بل بالعكس إنهم ماضون في نشاطهم التوحيدي والتقريبي هذا، ونأمل أن تتكلل جهودهم، وبالأخص مساعي الأستاذ فؤاد معصوم، السياسي العريق، الهادىء الطباع، من أجل احتواء الخلل الذي حدث بانسحاب الكتلة العراقية، التي لايمكن انكار دورها ودور قائدها الهام في السياسة العراقية وفي بناء العراق الديموقراطي الحديث، الاتحادي والديموقراطي

ولكن، في الحقيقة فإن الكورد يعطون أكثر وقتهم لوحدة العراق ونجاحه في تحقيق أمنه واستقراره وبناء قواه وتطوير ذاته وازدهار بلاده،  في حين أن واجبهم الأوّل ليس ذلك، رغم أهميته لاقليم جنوب كوردستان بالتأكيد، وانما واجب السياسيين والقياديين الكورد يكمن بالدرجة الأوّلى في تحقيق وحدة النضال الكوردستاني، في تحرير الكورد الذين ينظرون إلى قادتهم بعيون ملؤها الأمل… فالكورد لايقل تعرّضاً للمآسي والمصاعب من إخوتهم العراقيين، ومشاكلهم كبيرة ومتنوّعة، وبلادهم ممزّقة ومجزّأة، والأعداء المتربصون بهم كثر وبلا شفقة… قادة الكورد يبنون للجيران وهم منهمكون في ذلك بكلّ قوّة ونشاط، حتى ليكاد المرء يتساءل:” هل هم عراقيون أوّلاً  وكوردستانيون ثانياً؟” أم أنهم لايجدون سبيلاً لتحرير وطنهم وتوحيده، إلاّ عن طريق تحقيق وحدة العراق أوّلاً؟”

المسألة تبدو أعقد من هذه النظرة البسيطة، فثمة عوامل عديدة تدفع بقادة الكورد الجنوبيين إلى سلوك هذا المسلك الذي قد لايكون مفهوماً من قبل بعض الكوردستانيين… والحديث عن هذه العوامل سيأخذ حيّزاً واسعاً من المكان ومدّة طويلة من الوقت، لذا سندعه الآن. وندخل في موضوع العنوان الذي اخترناه لمقالنا هذا…

كما نعلم فإنّ شخصية الأخ مسعود بارزاني ذات مكانة لاتضاهيها مكانة أي زعيم كوردستاني آخر، فهو نجل القائد الأسطورة مصطفى البارزاني، تربّى على يديه حب الوطن والبذل والفداء من أجله، وتعلّم سعة الصدر والترفّع عن الأحقاد والعفو عن الناس، والنظرة الثاقبة للأحداث والمساحات والسياسات، الكوردستانية والاقليمية والدولية، إنه البيشمركه رقم 1 في كفاح الأمة الكوردية، الذي لايهاب الموت من أجل القضية التي يؤمن بها، والسياسي الذي يتمتّع بصفات مميّزة، له في قلوب الكورد أينما كانوا مكانة متميّزة أيضاً… لذا فإنه الوحيد القادر على القيام بمبادرة أخرى كمبادرته العراقية لتوحيد الصف الكوردستاني وترميم البيت الكوردي… وحديثي هنا عن الغرفة الغربية من هذا البيت فقط، فمن الأفضل أن ندع الحديث عن الغرف الأخرى، الشرقية والشمالية، لأبنائها وبناتها، الذين هم أقرب إلى مشاكلهم ومطالبهم وإلى القيادة الكوردية في جنوب كوردستان، منا نحن أبناء وبنات غرب كوردستان.

إذا ما نظرنا إلى الخارطة السياسية للأحزاب في غرب كوردستان فإننا سنجدها ملوّنة في معظمها باللون الأصفر، لون علم بارتي ديموقراطي كوردستاني الذي رئيسه السيد مسعود بارزاني، ونائبه السيد نيجيرفان بارزاني…فالساحة الكوردية “السورية” هي ساحة بارزانية بكل معنى الكلمة، وإن وجدت فصيلة أو اثنتان تزعم أنها مستقلّة سياسية عن النهج البارزاني أو أن واحدة أو اثنتين من هذه الفصائل تميل إلى الاتحاد الوطني الكوردستاني ورئيسها مام جلال طالباني لأسباب فكرية يسارية قديمة، شرب عليها الدهر…وأعني بالذات فصيلة الشيخ العجوز عبد الحميد حاج درويش – أدام الله عمره- التي فقدت بريقها السياسي منذ أمد طويل لأسباب ذاتية وموضوعية مختلفة…أما الشارع الكوردي السوري فهو ملك للبارزانية، على الرغم من الضعف الكبير لتنظيم “البارتي في سوريا” عملياً بسبب تمزّقه وانصراف بعض قادته إلى بناء أمجادهم الشخصية بدلاً عن المباشرة في ترميم صفهم الحزبي المضعضع…ولقد خسر حزب العمال الكوردستاني مركزه الأمامي وقلاعه الحصينة، بعد أن سيطر عدة سنوات على مفاصل العمل في الشارع الكوردي، بسبب نوازعه الاستقلالية التي تخلّى عنها الآن

لهذا فإن مبادرة للتقريب والتوحيد بين الكورد السوريين الذين قلوبهم مع البارزاني ويضعون فيه أملهم الكبير ويثقون به ثقةً تامة، ستكلل بالنجاح بالتأكيد ولن يستطيع النظام السوري الذي يخسر كل يوم مزيداً من قواه، رغم القسر والإرهاب السياسي، بين عموم الشعب السوري، وبين الكورد بشكل خاص، منع هكذا مبادرة، ولن يصّدق أحد من السوريين أو العرب بأن مبادرة البارزاني لتوحيد الكورد السوريين “مبادرة انفصالية” أو ذات أهداف تخدم “الامبريالية والرجعية واسرائيل” كما كان البعثيون يضربون على هذا الطبل طوال المراحلة السالفة، فالبارزاني الذي أثبت مجدداً بمبادرته العراقية هذه وطنيته وكفاحه من أجل وحدة العراق، لايمكن بأي شكل من الأشكال أن يكون على خلاف ذلك بصدد سوريا التي اعتبرها دائماً دولةً صديقة له…كما أن وحدة الكورد السوريين، الوطنيين والديموقراطيين، والمعتدلين دينياً، ليست متناقضة مع الوحدة الوطنية للبلاد السورية، بل يعزز التيار الكوردي الذي يطالب بحل ديموقراطي وسلمي عادل للقضية الكوردية ضمن إطار وحدة البلاد وتحت السقف الوطني السوري…فالبارزاني هو الوحيد الذي تمكّن من الحفاظ على البيت العراقي في هذه الظروف الحالكة، في حين لم نر مثل مبادرته من قبل “الجامعة العربية” أو ممن يطلق على نفسه أوصاف التقدمية العربية والوطنية العربية بصدد العراق وشعبه ومشاكله وأزماته

لا أريد الدخول في التفاصيل حيال مبادرة مأمولة لتوحيد القوى السياسية الكوردية السورية من جهة السيد البارزاني، ولا أقول ان مشاركته الشخصية واجبة، وانما يمكن أن يقوم بذلك أولئك الذين يثق السيد البارزاني بهم، ويعلم الكورد السوريون أن هؤلاء يلقون تأييده في هكذا عمل هام وضروري لاخراج العربة الكوردية السورية من مستنقع موحل، انجرّت إليه لأسباب متعددة

المهم، أن كورد سوريا لايقلّون حاجة عن عرب العراق إلى مبادرة بارزانية جادة وحاسمة في مجال جمع شملهم وتوحيد قواهم ضمن البيت السوري،  وفي سبيل بناء معارضة ديموقراطية وطنية شاملة لنظام لايعترف حتى الآن بالوجود القومي الكوردي في سوريا

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s