الديموغرافيا الكردية في علاقات تركيا بالاتحاد الأوروبي

جان كورد ، ‏25‏ تشرين الأول‏، 2010

يكاد الأوربيون المحافظون مجتمعين ومتفقين على احباط أي محاولة تركية للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، مع قبولهم اقامة علاقات اقتصادية وثيقة في الوقت ذاته مع تركيا لكي لاتتنصل من مسؤولياتها الملقاة على عاتقها كعضو أساسي في حلف الناتو العريق، يستطيع أن يضع أعداداً هائلة من الجنود تحت تصرّفه متى ما شاء الحلف…لذا لامانع من تسليح هذه القوات في ظل العسكريتاريا الأتاتوركية التي صانت الجمهورية وأخرجتها من شرنقة الخلافة العثمانية وأبعدتها عن العالم الإٍسلامي لما يقارب المائة عام منذ سقوط الخلافة “الرجل المريض” في فراش الموت في الأعوام التي تلت الحرب العالمية الأولى، وتم دفنها عملياً منذ 1923م.

وفي حقيقة الأمر يتفق اشتراكيون ديموقراطيون وليبراليون أيضاً مع المحافظين في أوروبا على هذه المعاملة ذات الوجهين مع تركيا: أنتِ عسكرياً معنا يا تركيا ولكنكِ لستِ جزءاً من ثقافتنا الأوروبية “المسيحية – اليهودية”… وقد جرت نقاشات حادة وخافتة أيضاً باستمرار حول هذه النقطة منذ أمد بعيد، في تركيا وفي صالات الاتحاد الأوروبي وسائر الدول الأوروبية، وبشكل ملحوظ مؤخراً في الاعلام…

إلاّ أن الهجمة الإرهابية على نيويورك وواشنطن في سبتمبرعام 2001 قد قللت من فرص انضمام تركيا إلى الاتحاد إلى حد كبير، ويتناقص احتمال ايوائها فيه باستمرار، على الرغم من أن الأمريكان يحبّذون رؤية الصديق والحليف التركي ضمن الاتحاد، كما أن الاقتصاد التركي قوي ومزدهر بالنسبة للعديد من دول الاتحاد التي تكاد تصبح 30 دولة حتى الآن، ومنها أعضاء عريقون في الاتحاد مثل اليونان واسبانيا والبرتغال وايرلندا… نعم، لقد إزدادت منذ تلك العملية الإرهابية الكبرى مخاوف الأوربيين من تعاظم المد الإسلامي المتطرّف في العديد من البلدان الإسلامية ومنها تركيا أيضاً، وبسبب المصاعب التي تجدها هذه الدول في هضم كل أولئك المهاجرين واللاجئين من العالم الإسلامي ودمجهم في مجتمعاتها، وبخاصة الذين يرفضون العيش كأوروبيين والاندماج معهم، فإن الأنظار التفتت إلى الحجم السكاني الضخم لتركيا بملايينها الكثيرة (حسب الاحصاء التركي الأخير في نهاية 2009 وصل عدد السكان إلى 71.517.000 نسمة) ونسبة الولادات العالية فيها بالنسبة للدول الأوربية، ما عدا (كوسوفو) الأوروبية التي معدل نمو الولادات فيها لايقل عما عليه في تركيا، فإن قلقاً متزايداً من اقتراب تركيا ومساعيها لدخول الاتحاد يخيّم على المراقبين السياسيين والاجتماعيين بشكل عام. هذا على الرغم من أن معدّل نمو السكان في تركيا قد انخفض مع الزمن من 2.5 % إلى 1.8 % منذ أواسط ثمانينات القرن الماضي.

هنا بالذات تلعب الديموغرافيا الكردية دوراً هاماً للغاية في مصير العلاقات التركية – الأوربية، وترمي بظلالها على الموضوع بأسره.

إن الهجرة الواسعة للفلاحين الكورد من شرق البلاد إلى غربها وجنوب غربها لعدة ظروف ذاتية وموضوعية، ومنها ظروف الحرب التي دارت في المناطق الكردية سنوات طويلة، وأضرّت بالبنية التحتية لتلك المناطق وخلقت متاعب جمّة في حياة السكان وفي طريق الانتاج، إضافة إلى الفشل الذريع للسياسة الأتاتوركية في شرق البلاد على حد قول المؤرّخ الألماني هانز أولريش فيهلر، قد ساهما بشكل مباشر في إحداث شرخ واسع وعميق في البناء الديموغرافي للبلاد، حيث سيطر الجهل والتخلّف في الشرق، مقابل التعلّم الأفضل وامكانات الحياة الأشد رفاهية وازدهاراً في الغرب… ولهذا نجد معدلين مختلفين لعام 2000 في نسبة الولادات بين مدينة تركية تقع في الجزء الغربي من تركيا (1.7 طفلاً للعائلة)، ومدينة كردية تقع في ولاية هكاري أو على مقربة من الحدود الشرقية مع ايران مثلاً (7.1 طفلاً للعائلة)… وعلى الرغم من أن معدل الولادات في غرب البلاد قد هبط بشكل ملحوظ للغاية من 6.3% في ستينات القرن الماضي إلى 2.2 – 2.1 % الآن، إلاّ أن تركيا مدينة بهذه النسبة في مدنها الكبيرة للمهاجرين الكورد القادمين من شرق البلاد، فالنساء التركيات الشابات يحاولن تقليد الأوربيات في مسائل العائلة، ومنها التقليل من عدد الأطفال قدر الامكان…

 

وبقاء الديموغرافيا الكردية في شرق البلاد على مستويات عالية (في شرناخ 7.4 وفي هكاري 6.5 طفلاً للعائلة الواحدة) لايقلق الأتراك فحسب، وانما يقلق الأوربيين أيضاً، إذ أن هناك فجوة كبرى بين هذه النسب العالية للولادات وبين مستويات التعليم والصحة والنمو الاقتصادي للمناطق التي يسود فيها هذا النشاط الديموغرافي المثير، مما تدفع التناقضات الاجتماعية – السياسية إلى الهجرة، ولذا فإن نسبة المهاجرين الكورد صوب غرب تركيا والدول الأوربية مرتفعة، ونساؤهم يلدن عدداً أكبر من الأطفال، حتى بعد انقضاء سنوات طويلة على عيشهم بعيداً عن مواطنهم الأصلية بالنسبة إلى نساء الأتراك والأوربيين.

المشكلة التي يراها الأوربيون هنا هي أن هؤلاء الأطفال الكورد يلدون في عائلات أميّة أو شبه أميّة، تبلغ فيها نسبة النساء الأميات ثلاثة أضعاف النسبة للرجال الأميين حيث بلغت النسبة في السنوات الأخيرة في مناطق كردية مثل سيرت وهكاري وشرناخ 58- 66 % من النساء غير المتعلمات حتى ال15 سنة من العمر، وهي عائلات ذات خلفية اجتماعية متخلّفة ومتوتّرة وصلبة، ومحافظة دينياً على الأغلب…وغير قادرة على الاندماج في المجتمعات الأوروبية بسهولة… وهذا ما يسبب للأطفال عراقيل للنمو الطبيعي المأمول في سنواتهم الأولى من الحياة، في دور الحضانة وفي المدرسة الابتدائية…

ويرى العديد من الخبراء بأنه لجملة من الأسباب السياسية والاقتصادية فإن أي حكومة تركية، إسلامية كانت أم علمانية، غير قادرة على المدى القريب من إيجاد حل لهذه المعضلة التي منشؤها النمو العالي للديموغرافيا الكردية في شرق تركيا، هذه المنطقة التي لاتزال تشهد العنف وعدم الاستقرار وتعاني من نتائج الهجرة الوخيمة، وهذا ما يؤثر سلباً في مساعي تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي حالياً، وقد يسد الطريق في وجهها تماماً في المستقبل.

—————————

(*) المصدر الرئيسي للمعلومات الاحصائية: فرانكفورتى ألغماينى – 20 أكتوبر 2010 – العدد 244، ص 2

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s