مثقفون أم أمشاط بلا أسنان؟

جان كورد

2010 أكتوبر

ظلّت علاقة المثقفين بالحركة السياسية المنظّمة منذ أن رأت نور الحياة ونمت في أحضان هذا الشعب موضوع نقاشات تكاد تكون مستمرّة في صفوف التنظيم السياسي الكردي في سوريا… كما أن وضع الحركة السياسية كان على الدوام مجال نقاشات المثقفين فيما بينهم، والذين كانوا ضمن إطارالتنظيمات السياسية يدركون ذلك، كما أن من نصنّفهم كمثقفين يعلمون الكثير عن هذه المعادلة المضطربة في مختلف المراحل التي مرّ بها نضال شعبنا الكوردي…

من الحزبيين من كان يتهم المثقفين ب”الانتهازية” إذا ابتعدوا عن الحركة ولم يقدّموا لها العون في شكل عطاءات مدحية أو على شكل دراسات جادة… وكانوا يتهمون المثقفين ب”الباحثين عن السلطة بعد فشلهم في الساحة الثقافة” إذا ما اقتربوا من التنظيمات السياسية… وبالمقابل كان المثقف يعتبر بعض القادة الحزبيين “دون المستوى” أو حتى “أغبياء وطفيليين”…ولكن لم ينكر أحد من الطرفين “الحزبي” و”المثقف” وجود الطرف الآخر، رغم نزاعاتهما وتباعدهما أحياناً…

كنت أنتقد الأستاذ الشيوعي فكراً وقلباً حامد بدرخان، صاحب القضيدة الرائعة (رجوع من واترلو) والذي كان يتردد في سبعينات القرن الماضي على دارنا أو كنت ألتقي به في دارالأستاذ حسن موسى، الذي قضى نحبه في حرب حزيران عام 1976، وكان نقدي منصباً دائماً حول رفضه العمل الحزبي، وعدم اقترابه من “البارتي”… فكان يقول بأن مهمة الشاعرغير مهمة السياسي، ولكنه كان يؤكّد على أن القصيدة سياسة والرواية سياسة والقصة سياسة ويجب أن يتخذ المثقف دوره في بناء مجتمعه، إن كان مثقفاً يحب الانسانية… وذكر لي بأنه انتفض من مكانه يوم سماعه من الراديو نبأ رحيل القائد الخالد مصطفى البارزاني، وامتلأت عيناه بالدموع، وكاد ينشد أنشودة ثورية، في حين ظل سياسي كردي سوري جالساً بجانبه ومتندراً على وقوفه باحترام لرحيل البارزاني الخالد. ثم قال لي بأنه لولا سياسيين ومحاربين عظام وفي مقدمتهم هذا القائد الكبيرلأصبح الشعب الكردي في خبر كان.

إذاً، ليست دواوين شعرائنا العظام وحدها السبب في بقاء الأمة الكردية على قيد الحياة، وانما نضالات قادتنا الأبطال أيضاً… ولذا يمكن القول بأن العمل السياسي بأصنافه المختلفة ومنها الكفاح المسلّح لايتعارض أبداً مع العمل الثقافي، فالخطاب السياسي ليس بديلاً عن قصيدة الشعر أو المقالة الفلسفية أو البحث التاريخي، كما أن هذه الابداعات ليست بديلاً عن الخطاب السياسي… ولا ينفي أحدهما الآخر… ورغم كل الجفاء والاحباطات النفسية لبعض المثقفين من معايشة المسار السياسي الكردي والكردستاني، وبخاصة في السنوات الأخيرة، فإنه ليس لأحد أن يشطب على السياسة الكردية باسم “الثقافة” ويطالب بتقليص نضالات الشعب الكردي إلى درجة الغاء واتهام وخنق السياسة حتى في أدنى مستوياتها…

منذ أيام قلائل نسمع نشازاً لم تشهده الساحة الثقافية الكردية من قبل، ألا وهو التطابق التام بين الدعوة للتخلّص من الحقيبة السياسية كلياً ورميها جانباً وبين الدعوة العريقة التي رافقت مسار تنظيمات كردية سورية منذ أن وجدت، ألا وهي القول بأن القضية الكردية لاتحل إلاّ في دمشق، والثقافة الكردية لاسماح لها، إلاّ بالإذن في دمشق… ومع الأسف تصل هذه الأنغام إلى حلقات الذكر الحزبية حتى في أعماق أوروبا الغربية…

أعتقد بأن الاعمى وحده يتجاهل دور العامل الدولي في اجبار الدول والحكومات على قبول الحقوق السياسية لأقليات أو قوميات أو شعوب تعيش في ظلها وضمن حدودها… ونرى ذلك واضحاً اليوم في السودان على سبيل المثال… والأجدب وحده هو الذي يحاول اقناع شعبنا بأن النظام سيغيّر جلده ويتحوّل إلى معانق لشعبنا يتكرّم عليه بحقوقه التي يريدها… فهل هؤلاء الذين يزرعون الرياح بزعمهم أن القضية الكردية في أيدي حكام دمشق وحدهم معتقدون فعلاً بأن شعبنا لايفهم معادلات الصراع السياسي ولايعلم بأن قوته واتحاده وتضامنه الذاتي هو الذي سيفتح له الأبواب ويرغم الأعداء على النزول من عروشهم العنصرية، وليس كرم العائلة المالكة والحزب القائد؟

أمّا إذا كان المقصود من عبارة “ثقافتنا في دمشق” حق تعلّم اللغة الأم فقط، فأعتقد بأن مثقفينا الكرام مخطئون في هذا المجال أيضاً… فلو تمكّنت الحركة الكردية السورية من تكوين منظمات تعليمية سرية وقوية حسب خطط وبرامج لجلبت إليها أنظارالهيئات الدولية ومنظمات حقوق الطفل ولتحوّل الموضوع إلى “نقطة ساخنة” بين هذه الجهات وبين النظام المستبد برقاب شعبنا.

المشكلة ليست في الطرح السياسي للأحزاب وليست في العمل التنظيمي لها، بمشاركة مثقفين أو بهروب بعضهم من تحمّل مسؤولياتهم التاريخية صوب الأمام واقترابهم من عرش السلطان، ولكن المشكلة في ضعف هذه الحركة وهذه التنظيمات، فالمثقف الذي لديه ذرّة من الكرامة القومية  – وأنا لاأشك في أحد –  سيفعل ما يراه ضرورياً ومناسباً لاخراج العربة من المستنقع، لا تركها والانكفاء عنها لايقاد شمعاته الروحانية على أطراف الموقد الناري للنظام العامل على تحطيم كل ما هو كردي في سوريا…

لايطلب أحد منك – أيها المثقف الواعي – أن تنتسب بالضرورة إلى حزب سياسي كردي أو جبهة معارضة أو أي تحالف سياسي سوري، ولكن لايحق لك أن تدعو مثقفي شعبك إلى هجر السياسة والحج صوب دمشق التي لن ترد عليك، إلا بما تراه هي صائباً وملائماً لسياسة التعريب التي شرعت فيها منذ عقود من الزمن وهي مستمرة فيها، رميت بنفسك عند أقدامها أم اكتفيت بالنوم في محرابك… أم أنك تريد خداع حكام دمشق الذين سيسخرون بأنفسهم منك عندما تبتعد تماماً عن قضيتك السياسية وعن تنظيمات شعبك المناضلة…

هناك مثقفون مناضلون، وفي مقدمتهم الأستاذ حسن صالح ومصطفى جمعة ومشعل تمو وكل المحترمين الآخرين، هم رجال سياسة ومثقفون في الوقت ذاته…فكيف ستتعامل مع هؤلاء إن تركت الساحة التي أثبتوا فيها جدارتهم السياسية وإخلاصهم الوطني ودعمهم لكل جهد ثقافي كردي؟

ربما لا أكون مثقفاً من الطراز الذي تعترفون به، ولست عضواً في أي تنظيم حزبي منذ سنتين، ولكن أشعر أن قلمي لاقيمة له إن ابتعد عن البيت السياسي الكردي الذي أتألم لحاله كما تتألمون…

ففكروا جيدا حتى لا تقعوا في أفخاخ من لايريد الخير والازدهار والقوّة لشعبنا المظلوم…

مع التحيات والتقدير لكل جهد سياسي أو ثقافي مناضل

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s